‏إظهار الرسائل ذات التسميات المقالات الفقهية و الحديثية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات المقالات الفقهية و الحديثية. إظهار كافة الرسائل
 المخالفات الشرعية التي تقع بعد صلاة المكتوبة -الحلقة الأولى-

المخالفات الشرعية التي تقع بعد صلاة المكتوبة -الحلقة الأولى-

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد :فهذه الحلقة الأولى التي فيها جملة من المخالفات الشرعية، والمحدثات البدعية التي يفعلها البعض بعد صلاة الفريضة ، يظنون أنها من سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهي ليست من السنة في شيء، ومن أبرزها القراءة الجماعية المنتشرة في المغرب العربي خصوصا ،وفي بلاد المسلمين عموما ، وهكذا التّسبيح بالمسبّحة ، لذا أحببت أن أسلّط عليهما الضوء-كمايقال- بشي من التعليق والبيان والإيضاح ،وذلك للتحذيرمنهما ,ورجاءً أن ننال الأجر والثواب من الله تعالى ، ومن المعلوم أنه لا يكفي الاقتصار على معرفة الأحكام التعبدية دون معرفة ما يخالفها من المحدثاث والبدع ، كذلك لا يكفي معرفة التوحيد دون معرفة مايناقضه من الشرك بالله [1]،فمن عرف التوحيد استلزم عليه معرفة ما يقابله من الشرك بالله تعالى ، فعن أبي مالك عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله .[2]وفي هذا المعنى ثبت عن حذيفة بن اليمان بأنه قال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركنى فقلت يا رسول الله إنا كنا فى جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير شر قال « نعم » ....[3]وقد أجاد من قال :
عرفت الشرّ لا للشرّ ولكن لتوقيه####و من لا يعرف الشر من الخير يقع فيه

فمن البدع المحدثة :

1 ـ السجود للدعاء بعد الفراغ من الصلاة.

2 ـ اعتقاد سنية رفع اليدين في الدعاء.

ـ مسح الوجه بعد الأذكار الشرعية أو الدعاء عموما.[4]

3 ـ الذكر الجماعي.

ـ قول البعض عقب صلاة الفريضة :"تقبل الله".

ـ رفع الصوت بالذكر.[5]

ـ المصافحة بعد الصلاة.[6]

ـ استخدام الآلة للتسبيح.

ـ استعمال السبحة[7].

ـ القراءة الجماعية .[8]

هذا وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه : عبد الحميد الهضابي.
الحواشي :[1] ـ أخرجه مسلم (23).
[2] ـ أخرجه مسلم (1844).
[3] ـ أخرجه البخاري (3606) ومسلم (1847).
[4] ـ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : وأما مسحه وجهه بيديه فليس عنه فيه إلا حديث أو حديثان ، لا تقوم بهما حُجة .
"مجموع الفتاوى" (22/519) .
وقال العز بن عبد السلام رحمه الله : ولا يمسح وجهه بيديه عقيب الدعاء إلا جاهل .
"فتاوى العز بن عبد السلام" (ص 47) .
وسئل الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله : عن حكم مسح الوجه باليدين بعد الدعاء ؟
فأجاب بقوله :
" مسح الوجه باليدين بعد الدعاء الأقرب أنه غير مشروع ؛ لأن الأحاديث الواردة في ذلك ضعيفة حتى قال شيخ الإسلام رحمه الله : إنها لا تقوم بها الحجة ، وإذا لم نتأكد أو يغلب على ظننا أن هذا الشيء مشروع فإن الأولى تركه ؛ لأن الشرع لا يثبت بمجرد الظن إلا إذا كان الظن غالباً .
فالذي أرى في مسح الوجه باليدين بعد الدعاء أنه ليس بسنة ، والنبي صلى الله عليه وسلم كما هو معروف دعا في خطبة الجمعة بالاستسقاء ورفع يديه ، ولم يرد أنه مسح بهما وجهه ، وكذلك في عدة أحاديث جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دعا ورفع يديه ولم يثبت أنه مسح وجهه " انتهى . "مجموع فتاوى ابن عثيمين" (14/ السؤال 781) .
[5] ـ وذلك لما يكون في رفع الصوت من التشويش ،والأذيّة على الآخرين من الذاكرين والمسبوقين الذين فاتهم شيء من الرّكعات،وغيرهم.
وأما إذا كان رفع الصوت بالذّكر من باب التعليم فلا حرج في ذلك ،كما ثبت عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته .
وفي لفظ : ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلا بالتكبير.
ونظائر ذلك في الأخبار والآثار عن السلف كثير: منها ما ثبت عن عبد الله بن عباس رضي الله عنها نفسه أنه كان أحيانا إذا صلى على الجنائز جهر بفاتحة الكتاب ثم يبيّن لهم بقوله :"لتعلموا أنها سنة".-أي:يجهر من باب التعليم-.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجهرأحيانا ببعض الآيات ويسمعهم أيّاها في الظهر أو العصر.
وهكذا جهر بعض الصحب الكرام رضي الله عنهم أحيانا بدعاء الاستفتاح والبسملة في الصلاة ونحو ذلك.
[6] ـ وقال ابن حجر من علماء الشافعية : ما يفعله الناس من المصافحة عقيب الصلوات الخمس مكروهة ، لا أصل لها في الشرع .
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: المصافحة عقيب الصلاة : هل هي سنة أم لا ؟
الجواب : الحمد لله . المصافحة عقيب الصلاة ليست مسنونة ، بل هي بدعة . والله أعلم . الفتاوي الكبرى ج2ص305.
قال الألباني رحمه الله في "الصحيحة" ( 1/23) : " وأما المصافحة عقب الصلوات فبدعة لا شك فيها ، إلا أن تكون بين اثنين لم يكونا قد تلاقيا قبل ذلك ، فهي سنة "

[7] ـ أولا :
هذه السّبحة لم تكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ،ولا رآها ، فضلا أنه حثّ عليها ورغّب فيها عليه الصلاة والسلام ، بل هي من البدع المحدثة ، فعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد "، ولما ورد عن عمر بن يحيى بن عمرو بن سلمة الهمداني قال : حدثني أبي قال : " كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة ، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد ، فجاءنا أبو موسى الأشعري ، فقال :أخرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد ؟ قلنا : لا ، فجلس معنا حتى خرج ، فلما خرج قمنا إليه جميعا ، فقال له أبو موسى : يا أبا عبد الرحمن ! إني رأيت في المسجد آنفا أمرا أنكرته ، و لم أر و الحمد لله إلا خيرا ، قال : فما هو ؟ فقال : إن عشت فستراه ، قال : رأيت في المسجد قوما حلقا جلوسا ، ينتظرون الصلاة ، في كل حلقة رجل ، و في أيديهم حصى ، فيقول : كبروا مائة ، فيكبرون مائة ، فيقول هللوا مائة ، فيهللون مائة ، و يقول سبحوا مائة ، فيسبحون مائة ، قال : فماذا قلت لهم ؟ قال : ما قلت لهم شيئا انتظار رأيك ، قال : أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم ، و ضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء ؟ ثم مضى و مضينا معه ، حتى أتى حلقة من تلك الحلق ، فوقف عليهم ، فقال : ما هذا الذي أراكم تصنعون ؟ قالوا : يا أبا عبد الرحمن ! حصى نعد به التكبير و التهليل و التسبيح ، قال : فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء ، و يحكم يا أمة محمد ! ما أسرع هلكتكم ! هؤلاء صحابة نبيكم صلى الله عليه وسلم متوافرون ، و هذه ثيابه لم تبل ، و آنيته لم تكسر ، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد ، أو مفتتحوا باب ضلالة ؟ ! قالوا والله : يا أبا عبد الرحمن ! ما أردنا إلا الخير ، قال : و كم من مريد للخير لن يصيبه ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا : " إن قوما يقرءون القرآن ، لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية " ، وأيم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم ! ثم تولى عنهم ، فقال عمرو بن سلمة : فرأينا عامة أولئك الحلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج " . أخرجه الدارمي ( 1 / 68 - 69 ) ، و صححه الألباني في " السلسلة الصحيحة "( 5 / 11)
و روى ابن وضاح القرطبي في " البدع والنهي عنها " ( ص 12 ) عن الصلت بن بهرام قال : مرّ ابن مسعود بامرأة معها تسبيح تسبح به فقطعه وألقاه ، ثم مر برجل يسبح بحصا ، فضربه برجله ، ثم قال : لقد سبقتم ! ركبتم بدعة ظلما ! ولقد غلبتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علما"
و في رواية " أَن أُناسا بالكوفة يُسبحون بالحصى في المسجد, فأتاهم وقد كَوَّمَ كلُّ رجل منهم بين يديه كوْمَةَ حصى, فلم يزل يحصبهم بالحصى حتى أخرجهم من المسجد, ويقول: لقد أحدثتم بدعة ظلما, أو قد فضلتم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم – علما ".
وعن إبراهيم النخعي أنه كان ينهى ابنته أن تعين النساء على فتل خيوط التسابيح التي يسبح بها فكان ينهى ابنته أن تعين النساء على فتل خيوط التسبيح التي يسبح بها".
وعن عقبة قال : سألت بن عمر عن الرجل يذكر الله ويعقد؟ فقال :"تحاسبون الله ؟".
ثانيا :
ـ السنة أن يكون التّسبيح بأنامل اليد اليمنى ، لا اليسرى ، ولا اليدين معا ، كما كان صلى الله عليه وسلم يفعل و يأمر أزواجه أن يعقدن التّسبيح بالأنامل و يقول: " فإنهن مسؤولات مستنطقات " .
وعن أبي تميمة عن امرأة من بني كليب قالت: رأتني عائشة أسبّح بتسابيح معي ،فقالت :أين الشواهد؟ -يعني: الأصابع- ".
ثالثا :
أن السّبحة سبب للرياء و السمعة ،والسلف رحمهم الله كانوا من أشدّ الناس إخفاء للأعمال الصالحة ، خوفا منهم رحمة الله عليهم أن يشوبها شيء من الرياء ، كيف لا ونبيّهم صلى الله عليه وسلم كان يخشى عليهم الرياء أكثر من الدجال اللعين.
رابعا :
أنها سبب في القضاء على سنة التّسبيح بالأنامل ،ويكفي بها جرما بذلك-كما قاله العلامة الألباني- ، وقد يقول المعترض: أنه قد يجد مشقة في أن يضبط العدد إذا سبّح بالأنامل؟ ، فالجواب : أنه لم يثبت في السنة أن الذكر جاء أكثر من مائة من ناحية العدّ، بل هو مطلق لمن أراد الزيادة في الخير.
ويمكن أن يعدّ مائة لمن كان له عادة ، وأن ديننا كامل تام شامل لا يحتاج زيادة ولا فيه نقصان، فليسعك ما وسع السّلف ، و لو كان خيرا-أي: التسبيح بالمسبحة- لسبقونا إليه.
خامسا :
أن السّبحة أصبحت شعارا للصوفية المنحرفة ،والروافض الضّلال.
سابعا :
أنها مست ومأخوذة من دين الهندوسية،و البوذية ،والنصرانية و غيرهم من أهل الكفر والضلال، قال بكر أبو زيد رحمه الله :السُّبْحة دخيلة على كل دين من عند الله تعالى, وأنها في الأديان المختلقة معروفة منذ عُصور ما قبل التاريخ, وقيل: منذ عام 800م, وأنها من وسائل التعبد, لدى البوذيين, ثم لدى البراهمة في الهند وغيرها, ومنهم تسربت إلى النصارى, لدى القسيسين, والرهبان, والراهبات, ومن الهند انتقلت إلى غرب آسيا . وجاء في " الموسوعة العربية العالمية "(23 / 157) ما نصه: "وتتكون المسبحة التي يستعملها الكاثوليك من خمسين حبة صغيرة, مقسمة على أربع حبات كبيرة, إلى أقسام متساوية, ويتدلى من المسبحة قلادة مكونة من حبتين كبيرتين, وثلاث حبات صغيرة, وصليب, ويرتل المصلون صلوات الرب على الحبات الكبيرة, كما يستعملون الحبات الصغيرة في صلوات مريم العذراء, ويُسمون هذه الصلوات بالسلام المريمي، وفي آخر كل مقطع من السلام المريمي يتم ترتيل مقطع صغير في الثناء على الرب, وترتيل قانون الإِيمان النصراني على الصليب, وأثناء ترتيب المصلين للصلوات يُوقع أن تنكشف لهم أسرار الإِيمان. نشأت المسبحة من زمن بعيد, وربما كان البوذيون أول من يستعملها في محاولة لم لربط الصلوات اللفظية بالصلوات الفعلية. ويستعمل البوذيون والهندوس المسبحة في صلواتهم, وبدأت أول أشكال الصلاة بالمسبحة في النصرانية في العصور الوسطى, ولكنها انتشرت فقط في القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين انتهى. وفي كتاب: "مساهمة الهند" (ص : 94- 105), عَرْض مُطَوَّلٌ مُوَثَّق عن تاريخها, فقال تحت عنوان: "السُّبْحَة": " لما كان التدين من طبع الإِنسان, احتاج إلى معرفة طريق صحيح لعبادة ذلك الخالق وذِكْرِه, فقدمت إليه الأديان المختلفة لذلك طرقاً شتى, وساهمت الهند في قضاء بغيته تلك بتقديم طريق خاص لإِحصاء الذكر - إحصاء بواسطة عقد الحبات - السباحة, فإحصاء الذكر بالسبحة من اختراع الهند, اخترعه الدين البرهمي فيها, ومنا تسرب إلى بلاد وأديان أخرى. ( السبحة تاريخها وحكمها).
ومفاسد هذه البدعة لا تعدّ و لا تحصى ، وقد أجاد من قال:
وكل خير في اتباع من سلف * * * وكل شر في ابتداع من خلف

[8] ـ من أفضل ما يتقرب به العبد إلى ربه سبحانه قراءة كلامه ،والتدبّر في معانيه ،والعمل بما جاء به ، لكن ما يفعله بعض المغاربة من قراءة القرآن جماعيا بعد الصلوات المفروضة أو قبل ذلك أو في أيّ وقت من الأوقات ا فبدعة منكرة ليس عليها أثارة من علم ، وقد اشتملت على عدّة من المخالفات الشرعية ، من ذلك :
أولا :
لم يشرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم ،ولا فعلها ولا أمر بها ولا حثّ الأمة عليها، ولا رغب فيها ، ولم يفعلها أحد من أصحابه رضي الله عنه، قال صلى الله عليه وسلم :" من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ". و في رواية " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ".
ثانيا :
فيها مخالفة لقوله صلى الله عليه وسلم : " لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن " .فنهيه صلى الله عليه وسلم عن الجهر بالقرآن ، نظرا لما يحصل من جراء ذلك من التشويش والأذية للآخرين ما بين مسبّح ،و تال، و قارئ ،وذاكر ،وغير ذلك .
ثالثا :
أن القراءة الجماعية فيها مخالفة لما أمرنا ربنا جل جلاله أن نرتل القرآن ترتيلا ، وقد حثّ النبي صلى الله عليه وسلم أمته على ذلك، فكان يأمر بتحسين الصوت بالقرآن كما في حديث البراء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " زينوا القرآن بأصواتكم فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا ".
وكما جاء في حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن من أحسن الناس صوتا بالقرآن الذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله ".
وكان يأمر بالتغنّي بالقرآن كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" ليس منا من لم يتغن بالقرآن ".
وكما قال عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه :" لا تهذّوا القرآن كهذّ الشعر ولا تنثروه نثر الدّقل. أي لا تقرؤوه قراءة سريعة متعجلة، ونحو ذلك من النصوص الشرعية الدالة على ذلك.
رابعا :
أنه يضطر القارئ أثناء القراءة إلى التّنفس، ورفقاؤه يستمرون في القراءة، بحيث يجعله يقطع القرآن ويترك منه شيئا في لحظات تنفّسه ثم يلحقهم في القراءة.
خامسا :أن القراءة الجماعية فيها تشبهاً بالنصارى الذين يجتمعون في كنائسهم لأداء التراتيل والأناشيد الدينية جماعة وبصوت واحد .
سادسا :
القراءة الجماعية قد تلحقها خلل في القراءة ،بحيث إذا قرأ فريق من الناس جماعة وبصوت واحد، يقع منهم مثلا مدّ في موضع لا مدّ فيه، أو تحريك ساكن، أو إسكان متحرّك، أو عدم الوقوف فيما يلزمهم الوقوف فيه، ونحو ذلك .
مذهب المالكية في قراءة القرآن جماعية : 1 ـ قال ابن أبي زيد القيرواني المالكي: كما في (النوادر والزيادات 1/529)
([في الاجتماع للقراءة بألحان أو بغير ألحان أو للتعليم] من "العتبية"، قال ابن القاسم، قال مالك :(لا بأس بما يفعل بمصر يقرئ الرجل النفر يفتح عليهم) قال: (والقراءة في المسجد محدث ولن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه سلفها والقرآن حسن) قيل: فالنفر في المسجد وإذا حف أهله جعلوا رجلا حسن الصوت يقرأ لهم ؟ فكرهه. قيل: فقول عمر لأبي موسى، ذكرنا ربنا ؟ قال: ما سمعت بهذا قط،وكره القراءة بالألحان وقال: اتخذوا ذلك للأكل عليه، وكره اجتماع النفر يقرؤون في سورة واحدة).
2 ـ قال ابن عبد البرـ رحمه الله ـ في " التمهيد "( 17 / 241 ) : إن مساجد الجماعة إنما بنيت للصلاة خاصة فكره رفع الصوت فيها وجاءت الكراهية في رفع الصوت فيها عاما لم يخص أحد من أحد إلا الإمام الذي يصلي بالناس فيها...."
3 ـ قال ابن رشد المالكي: (ت 520 هـ) (البيان والتحصيل 18/349)
(في الاجتماع في قراءة القرآن] قال: وسئل عن القوم يجتمعون فيقرؤون القرآن جميعا السورة الواحدة فقال: إني لأكره ذلك،ولو كان بعضهم يتعلم من بعض لم أر بذلك بأسا، قيل له: أرأيت إن كان واحد منهم يقرأ عليهم ؟ قال: لا بأس به، قال: وسئل عن القوم يجتمعون فيقرؤون السورة الواحدة فقال: لا يعجبني هذا ولا أحبه ولكن لو قرؤوا على رجل منهم واحد أو قرأ عليهم رجل منهم لم أر بذلك بأسا ،فقيل له :لا بل يقرؤون جميعا على رجل منهم واحد،قال: لا يعجبني ذلك وأنا أكره الذي بلغني عن بعض أهل الشام يجتمع النفر جميعا فيقرؤون السورة الواحدة فقال: لا يعجبني هذا ولا أحبه ولكن يقرأ عليهم رجل منهم ويقرؤون عليه واحدا واحدا، أترى الناس اليوم أرغب في الخير ممن مضى ؟ لم يكن يفعله أحد فلا يعجبني ولا أحبه…).
4 ـ قال شمس الدين محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي ، المعروف بالحطاب الرُّعيني رحمه الله في " مواهب الجليل في شرح مختصر الخليل " ( 2 / 365 ):" بتلحين كجماعة " قال : في المدخل " أي لابن الحاج " لم يختلف قول مالك أن القراءة جماعة والذكر جماعة من البدع المكروهة ".
وقال رحمه الله ( 2 / 362 ): "وجهر بها بمسجد": أي بالقراءة قال في المدخل وكره مالك رفع الصوت بالقراءة والتقريب فيه انتهى بالمعنى. وقال بعده: المسجد إنما بني للصلاة وقراءة القرآن تبع للصلاة ما لم تضر بالصلاة, فإذا أضرت بها منعت, ثم وهذه المسألة لا يعلم فيها خلاف بين أحد من متقدمي أهل العلم أعني رفع الصوت في القراءة والذكر في المسجد مع وجود مصل يقع له التشويش بسببه ، وليس لقائل أن يقول: إن القراءة والذكر جهرا أو جماعة تجوز في المسجد لنص العلماء أو فعلهم, وهو أخذ العلم في المسجد ; لأن مالكا سئل عن رفع الصوت بالعلم في المسجد فأنكر ذلك, وقال: علم ورفع صوت فأنكر أن يكون علم فيه رفع صوت, وفيه كانوا يجلسون في مجالس العلم كأخي السرار, فإذا كان مجلس العلم على سبيل الاتباع فليس فيه رفع صوت فإن وجد فيه رفع صوت منع, وأخرج من فعل ذلك .اهـ
5 ـ قال النووي رحمه الله : وكذلك ما ورد من أنه قيل للإمام مالك رحمه الله: أرأيت القوم يجتمعون فيقرأون جميعا سورة واحدة يختمونها؟ فأنكر ذلك وعابه، قال: ليس هكذا تصنع الناس ".
وعن الضحاك ابن عبد الرحمن رحمه الله " من أنه أنكر هذه القراءة الجماعية ، و ذكر أنه لم ير أحدا فعلها من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" . " التبيان " للنووي ( 1 / 102 )
6 ـ قال محمد بن يوسف العبدري رحمه الله في " التاج و الإكليل لمختصر خليل " ( 6 / 14 ) : ورفع صوت قال ابن مسلمة رفع الصوت ممنوع في المساجد إلا ما لا بد منه كالجهر بالقراءة في الصلاة والخطبة والخصومة تكون من الجماعة عند السلطان فلا بأس به ولا بد له من مثل هذا وهذا إنما يكون في القراءة على وجه كالإمام يجهر بالقراءة أو التنفل بالليل وحده وأما جهر بعضهم على بعض بالقراءة فممنوع كرفعه بعلم قال ابن القاسم رأيت مالكا يعيب على أصحابه رفع أصواتهم في المسجد ابن حبيب يكره رفع الصوت بالمسجد والهتف بالجنائز به وكل ما يرفع فيه الصوت حتى بالعلم فقد كنت أرى بالمدينة رسول أميرها يقف بابن الماجشون في مجلسه إذا استعلى كلامه وكلام أهل المجلس في العلم فيقول أبا مروان اخفض من صوتك وأمر جلساءك يخفضون أصواتهم "
7 ـ قال الإمام الباجي المالكي رحمه الله :كما في (المنتقي 01/02/345)
قوله: (كان في قوم يقرؤون) دليل على جواز الاجتماع لقراءة القرآن على معنى الدرس له والتعليم والمذاكرة وذلك بأن يقرأ المتعلم على المعلم أو يقرأ المعلم على المتعلم أو يتساويا في العلم فيقرأ أحدهما على الآخر على وجه المذاكرة له والمدارسة له وسئل مالك عن قراءة مصر الذين يجتمع الناس إليهم فكان رجل منهم يقرأ في النفر يفتح عليهم أنه أحسن لا بأس به، وقد قال مرة أنه كرهه وعابه، وقال: يقرأ ذا و يقرأ ذا قال الله تعالى :((فإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون)) .ولو كان يقرأ واحد ويستثبت من يقرأ عليه أو يقرؤون عليه واحدا واحدا على رجل واحد لم أر به بأسا، ثم قال رحمه الله (مسألة) وأما أن يجتمعوا فيقرؤون في السورة الواحدة مثل ما يعمل أهل الإسكندرية وهي التي تسمى القراءة بالإدارة فكرهه مالك وقال: لم يكن هذا من عمل الناس ووجه ذلك الكراهية للمباراة في حفظه والمباهاة بالتقدم فيه.
8 ـ قال الونشريسي المالكي: (المعيار المعرب 11/112)
([قراءة الحزب جماعة في المسجد] وسئل أبو إسحاق الشاطبي عن قراءة الحزب بالجمع هل يتناوله قوله عليه السلام (ما اجتمع قوم في بيت) الحديث كما وقع لبعض الناس أو هو بدعة ؟ فأجاب: إن مالكا سئل عن ذلك فكرهه، وقال: هذا لم يكن من عمل الناس، وفي العتبية سئل عن القراءة في المسجد، يعني على وجه مخصوص كالحزب ونحوه، وقال: يكن بالأمر القديم، وإنما هو شيء أحدث يعني أنه لم يكن في زمان الصحابة والتابعين، قال: ولن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها وقال في موضع آخر، أترى الناس اليوم أرغب في الخيرممن مضى يعني أنه لو كان في ذلك خير لكان السلف أسبق إليه ويدل على أنه ليس بداخل تحت معنى الحديث
9 ـ قال الشيخ الدردير المالكي رحمه الله:كما في (الشرح الصغير على مختصر أقرب المسالك) (01/155)
و يكره (قراءة جماعة) يجتمعون فيقرؤون شيئا من القرآن معا نحو سورة "يس" ومحل الكراهة [إذ لم تخرج] القراءة [عن حدها] الشرعي في المسألتين وإلا حرمت وهذا القدر زدناه عليه [و] كره [جهر بها] أي بقراءة القرآن [بمسجد] لما فيه من التخليط على المصلين والذاكرين مع مظنة الرياء….) 
10 ـ كلام الإمام الشاطبي المالكي: (الاعتصام :2/ 290-292) 
قال الإمام الشاطبي في القسم في الثاني من مبحث البدع الإضافية (وهو أن يصير العمل العادي أو غيره كالوصف للعمل المشروع إلا أن الدليل على أن العمل المشروع لم يتصف في الشرع بذلك الوصف فظاهر الأمر انقلاب العمل المشروع غير مشروع…) إلى أن قال(ومن أمثلة لك أيضا قراءة القرآن بالإدارة على صوت واحد، فإن تلك الهيئة زائدة على مشروعية القراءة…) وقال أيضا (ويشبه هذاما في سماع ابن القاسم عن مالك في القوم يجتمعون جميعا فيقرؤون في السورة الواحدة مثل ما يفعل أهل الإسكندرية فكره ذلك و أنكر أن يكون من عمل الناس، وسئل ابن القاسم أيضا عن نحو ذلك فحكي الكراهية عن مالك ونهى عنها ورآها بدعة وقال في رواية أخرى عن مالك وسئل عن القراءة بالمسجد فقال: لم يكن بالأمر القديم وإنما هو شيء أحدث ولم يأت آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها و القرآن حسن . قال ابن رشد: يريد التزام القراءة في المسجد إثر صلاة من الصلوات على وجه مخصوص حتى يصير ذلك كله سنة، مثل ما بجامع قرطبة إثر صلاة الصبح قال فرأى ذلك بدعة فقوله في الرواية (والقرآن حسن) يحتمل أن يقال إنه يعني أن تلك الزيادة من الاجتماع وجعله في المسجد منفصل لا يقدح في حسن القراءة القرآن ويحتمل - وهو الظاهر – أنه يقول: قراءة حسن على غير ذلك الوجه بدليل قوله في موضع آخر (ما يعجبني أن يقرأ القرآن إلا في الصلاة والمساجد لا في الأسواق والطرق) فيريد أنه لا يقرأ إلا على النحو الذي كان يقرأه السلف، وذلك يدل على أن قراءة الإدارة مكروهة عنده فلا تفعل أصلا وتحرز بقوله (والقرآن حسن) من توهم أنه يكره قراءة القرآن مطلقا فلا يكون في كلام مالك دليل على انفكاك الاجتماع من القراءة والله أعلم) 
11 ـ وقال محمد بن عبد الله الخرشي المالكي رحمه الله في " شرح مختصر خليل " (1/352) :
(كجماعة ) تشبيه في الحكم وهو الكراهة ابن يونس وكره مالك اجتماع القراء يقرءون في سورة واحدة وقال لم يكن من عمل الناس ورآها بدعة
12 ـ وقال محمد بن أحمد عليش رحمه الله في " منح الجليل شرح مختصر خليل "(1/333):: " وشبه في الكراهة"أي القراءة الجماعية بصوت واحد"معا بصوت واحد فتكره لمخالفة العمل، ولتأديها لترك بعضهم شيئا منه، لبعض عند ضيق النفس وسبق الغير، ولعدم الإصغاء للقرآن المأمور به في قوله تعالى: وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا".
13 ـ قال الحبيب بن طاهر المالكي: (الفقه المالكي وأدلته: 1/294)
(ويكره قراءة القرآن جماعة بأن يجتمع الناس فيقرؤون معا ومحل الكراهة إذا لم تخرج عن حدها الشرعي وإلا حرمت وإنما كرهت القراءة على هذا الوجه لأنه خلاف ما عليه العمل ولأنه مظنة التخليط وعدم إصغاء بعضهم لبعض وأما اجتماع جماعة يقرأ واحد ربع حزب مثلا وآخر ما يليه وهكذا فنقل عن مالك جوازها قال البناني: وهو الصواب، ويكره الجهر بقراءة القرآن بالمسجد لما فيه من التخليط على المصلين والذاكرين مع مظنة الرياء وينهى القارئ جهرا ويخرج منه إذا لم يظهر منه امتثال ذلك إذا قصد بقراءته دوام القراءة كالذي يتعرض بقراءته لسؤال الناس…).
14 ـ وقال الطرطوشي في "الحوادث والبدع" : لم يختلف قوله -يعني الإمام مالكاً - أنهم إذا قرؤوا جماعة في سورة واحدة أنه مكروه. ونقل عن مالك كراهة القراءة بالإدارة وقوله: وهذا لم يكن من عمل الناس.
15 ـ وقد تكلّم ابن الحاج رحمه الله عن القراءة الجماعية في " المدخل "( 1/90 -94 ) و(4/221 ) ، وقرّر مذهب المالكية في كلام طويل ملخّصه أنه لم يكن عليه السلف ـ رضي الله عنهم ـ .
16 ـ وقال الزر قاني في " شرح الموطأ " ( 1 / 243 ) : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على الناس وهم يصلون وفي رواية حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد أن ذلك كان في رمضان والنبي صلى الله عليه وسلم معتكف في قبة على بابها حصير والناس يصلون عصبا عصبا أخرجه ابن عبد البر وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال إن المصلي يناجي ربه قال ابن بطال مناجاة المصلي ربه عبارة عن إحضار القلب والخشوع في الصلاة وقال عياض هي إخلاص القلب وتفريغ السر بذكره وتحميده وتلاوة كتابه في الصلاة وقال غيره مناجاة العبد لربه ما يقع منه من الأفعال والأقوال المطلوبة في الصلاة وترك الأفعال والأقوال المنهي عنها ومناجاة الرب لعبده إقباله عليه بالرحمة والرضوان وما يفتحه عليه من العلوم والأسرار وفيه كما قال الباجي تنبيه على معنى الصلاة والمقصود بها ليكثر الاحتراز من الأمور المكروهة المدخلة للنقص فيها والإقبال على أمور الطاعة المتممة لها فلينظر بما يناجيه به أراد به التحذير من أن يناجيه بالقرآن على وجه مكروه وإن كان القرآن كله طاعة وقربة ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن لأن فيه أذى ومنعا من الإقبال على الصلاة وتفريغ السر لها وتأمل ما يناجي به ربه من القرآن وإذا منع رفع الصوت بالقرآن حينئذ لأذى المصلين فبغيره من الحديث وغيره أولى انتهى وقال ابن عبد البر وإذا نهي المسلم عن أذى المسلم في عمل البر وتلاوة القرآن فإيذاؤه في غير ذلك أشد تحريما وقد ورد مثل هذا الحديث من رواية أبي سعيد الخدري أخرج أبو داود عنه قال اعتكف صلى الله عليه وسلم في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال :ألا إن كلكم يناجي ربه فلا يؤذين بعضكم بعضا ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة وقال في الصلاة قال ابن عبد البر حديث البياضي وأبي سعيد ثابتان صحيحان . اهـ
بعض شبهات القائلين بجواز القراءة الجماعية و الردّ عليها :- عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم - قال: " إن لله - تعالى - ملائكة سيَّارة فضلا، يتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلسا فيه ذكر قعدوا معهم، وحف بعضهم بعضا بأجنحتهم، حتى يملؤوا ما بينهم وبين السماء الدنيا... يقول الله: قد غفرت لهم فأعطيتهم ما سألوا، وأجرتهم مما استجاروا ...".
وما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم...."
وما رواه مسلم وغيره من حديث معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج على حَلْقَة من أصحابه، فقال: ما يجلسكم ؟. قالوا: جلسنا نذكر الله - تعالى - ونحمده لما هدانا للإسلام، ومن علينا به. فقال: " أتاني جبريل - عليه السلام - فأخبرني أن الله - تعالى - يباهي بكم الملائكة".
- ومنها: ما رواه مسلم أيضا وغيره من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وما اجتمع قوم فى بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده .
والجواب عليه :
ما قاله الطرطوشي المالكي رحمه الله كما في "الحوادث والبدع": قال :"هذه الآثار تقتضي جواز الاجتماع لقراءة القرآن الكريم على معنى الدرس له، والتعلُّم والمذاكرة، وذلك يكون بأن يقرأ المتعلم على المعلم، أو يقرأ المُعَلِّم على المُتَعَلِّم، أو يتساويا في العلم؛ فيقرأ أحدهما على الآخر على وجه المذاكرة والمدارسة، هكذا يكون التعليم والتعلُّم، دون القراءة معا ".
ـ وقد أجاب ابن الحاج رحمه الله في "المدخل" على الاستدلال بتلك الأحاديث، فقال: "وروي عن أنس - رضي الله عنه - أنه قال: لأن أجلس مع قومٍ يذكرون الله سبحانه من غدوة إلى طلوع الشمس، أحبّ إليَّ مما طلعت عليه الشمس. وقال: هم يتحلّقون الحلق، ويتعلّمون القرآن والفقه، هذا تفسير خادم صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم فكيف يقابله تفسير متأخّري هذا الزّمان؟!
وروي عن إبراهيم النخعي رحمه الله أنه قال: لا يزال الفقيه يصلي؛ قيل: وكيف ذلك؟ قال: لا تلقاه إلا وذكر الله على لسانه، يحلّ حلالا، ويحرّم حراما.
وقال رحمه الله –أي:الطرطوشي-: وقد ظفرت بهذا المعنى في كتاب الله المهيمن؛ قال الله - تعالى - لهارون وموسى، لما بعثهما إلى فرعون: {و لا تنيا في ذكري} [طه: 42]، فسمّى تبليغ الرسالة ذكرا، فعلى هذا يتحقَّق أن حلق العلم، وما يتحاورون فيه في العلم، ويتراجعون من سؤال وجواب، أنها حلق الذكر, وهذا قوله سبحانه:{فاسألوا أهل الذكر} [النحل: 43]؛ يعني: أهل العلم والفقه"..
ـ ولنختم بكلام ماتع الشاطبي رحمه الله كما في "الاعتصام" ( 1 / 190 ): قال رحمه الله: إذا ندب الشرع إلى ذكر الله، فالتزم قوم الاجتماع عليه على لسان واحد، وصوت واحد؛ لم يكن في ندب الشرع ما يدل على هذا التخصيص الملتزم; لأن التزام الأمور غير اللازمة يفهم على أنه تشريع, وخصوصا مع من يقتدى به في مجامع الناس كالمساجد, فإذا أظهرت هذا الإظهار، ووضعت في المساجد كسائر الشعائر كالأذان، وصلاة العيدين والكسوف فهم منها بلا شك أنها سنّة ، إن لم تفهم منها الفرضية ! فلم يتناولها الدليل المستَدَلُّ به؛ فصارت - من هذه الجهة - بدعة محدثة ".
وماأحسن ماقاله الفضل بن مهران : سألت يحيى بن معين وأحمد بن حنبل قلت : إن عندنا قوماً يجتمعون ، فيدعون ، ويقرأون القرآن ، ويذكرون الله تعالى ، فما ترى فيهم ؟
قال : فأما يحيى بن معين فقال : يقرأ في مصحف ، ويدعو بعد الصلاة ، ويذكر الله في نفسه ، قلت : فأخ لي يفعل ذلك . قال : أنهه ، قلت : لا يقبل ، قال : عظه .
قلت : لا يقبل ، أهجره ؟ قال : نعم ، ثم أتيت أحمد فحكيت له نحو هذا الكلام فقال لي أحمد أيضاً : يقرأ في المصحف ويذكر الله في نفسه ويطلب حديث رسول الله ، قلت : فأنهاه ؟ قال : نعم . قلت : فإن لم يقبل ؟ قال : بلى إن شاء الله ، فإن هذا محدث ، الاجتماع والذي تصف ." الآداب الشرعية " لابن مفلح ( 2 / 75 )

المزيد من المعلومات
هل يجب على الزوج أن يعدل بين زوجاته في النفقة والمسكن وهكذا في الأعطيات والهبات ؟

هل يجب على الزوج أن يعدل بين زوجاته في النفقة والمسكن وهكذا في الأعطيات والهبات ؟

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين ،أما بعد :
اختلف أهل العلم في الرجل الذي عنده أكثر من زوجة –وهذا هو الأصل- هل يجب عليه أن يعدل بينهنّ في الهبات والأعطيات ، وهكذا في النفقة والكسوة والسكن والمهر والوليمة ،أو لا يجب عليه ذلك ، والقول الأقرب للصواب أنه لا يجب عليه ذلك ، فله أن يفضّل بينهنّ1، ويوسّع على بعضهن بالنفقة أو السكن ونحو ذلك إذا أعطى كل زوجة من زوجاته كفايتها من النفقة والكسوة ونحو ذلك ، وبه قال الشافعية والحنابلة وهو الأظهر عند المالكية،واختاره محمد علي فركوس وغيره من أهل العلم.
ويستحبّ في حقّه العدل إن استطاع إلى ذلك سبيلا بدون شكّ ولا ريب ولا أدنى من ذلك ،وهو من الأمور المستحسنة ، ومن معالي الأمور ،ومن حسن العشرة ومكارم الأخلاق ، ومما يعينه على سياسة أمر أزواجه، والبعد عن آثار الغيرة بينهن ،ونحو ذلك من المعاني المنصبة في هذا الجانب.
ومما يدلّ على ماذكرته آنفا ما جاء عن أم حبيبة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي بأرض الحبشة زوّجها النجاشي وأمهرها أربعة آلاف وجهّزها من عنده وبعث بها مع شرحبيل ابن حسنة ولم يبعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء وكان مهر نسائه أربع مائة درهم.[1]
وعن أنس بن مالك رضي الله عنهما قال : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم أولم على أحد من نسائه ما أولم عليها أولم بشاة.[2]
وعن عائشة رضي الله عنها أن الناس كانوا يتحرّون بهداياهم يوم عائشة يبتغون بها أو يبتغون بذلك مرضاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.[3]
وعن عائشة رضي الله عنها أيضا أن نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كن حزبين ،فحزب فيه عائشة وحفصة وصفية وسودة ،والحزب الآخر أم سلمة وسائر نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وكان المسلمون قد علموا حبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة ،فإذا كانت عند أحدهم هدية يريد أن يهديها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرها حتى إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة بعث صاحب الهدية بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة، فكلّم حزب أم سلمة فقلن لها :كلمي رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلم الناس؟ ،فيقول :من أراد أن يهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية فليهده إليه حيث كان من بيوت نسائه ،فكلمته أم سلمة بما قلن فلم يقل لها شيئا ،فسألنها؟ فقالت :ما قال لي شيئا ،فقلن لها :فكلميه ،قالت :فكلمته حين دار إليها أيضا فلم يقل لها شيئا ،فسألنها فقالت ما قال لي شيئا فقلن لها كلميه حتى يكلمك فدار إليها فكلمته فقال لها : لا تؤذيني في عائشة فإن الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأة إلا عائشة ،قالت: فقالت أتوب إلى الله من أذاك يا رسول الله ،ثم إنهن دعون فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تقول: إن نساءك ينشدنك الله العدل في بنت أبي بكر فكلمته فقال يا بنية ألا تحبين ما أحب؟ قالت: بلى ،فرجعت إليهن فأخبرتهن ،فقلن :ارجعي إليه ،فأبت أن ترجع ،فأرسلن زينب بنت جحش فأتته فأغلظت ،وقالت إن نساءك ينشدنك الله العدل في بنت ابن أبي قحافة ،فرفعت صوتها حتى تناولت عائشة وهي قاعدة فسبتها حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لينظر إلى عائشة هل تكلم قال فتكلمت عائشة ترد على زينب حتى أسكتتها قالت فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى عائشة وقال :إنها بنت أبي بكر .[4]
وفي لفظ : أرسل أزواج النبى -صلى الله عليه وسلم- فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاستأذنت عليه وهو مضطجع معى فى مرطى فأذن لها فقالت يا رسول الله إن أزواجك أرسلننى إليك يسألنك العدل فى ابنة أبى قحافة وأنا ساكتة - قالت - فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- « أى بنية ألست تحبين ما أحب ». فقالت بلى. قال :فأحبى هذه.
قالت: فقامت فاطمة حين سمعت ذلك من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرجعت إلى أزواج النبى -صلى الله عليه وسلم- فأخبرتهن بالذى قالت وبالذى قال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقلن لها ما نراك أغنيت عنا من شىء فارجعى إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقولى له إن أزواجك ينشدنك العدل فى ابنة أبى قحافة. فقالت فاطمة والله لا أكلمه فيها أبدا. قالت عائشة فأرسل أزواج النبى -صلى الله عليه وسلم- زينب بنت جحش زوج النبى صلى الله عليه وسلم وهى التى كانت تسامينى منهن فى المنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم أر امرأة قط خيرا فى الدين من زينب وأتقى لله وأصدق حديثا وأوصل للرحم وأعظم صدقة وأشد ابتذالا لنفسها فى العمل الذى تصدق به وتقرب به إلى الله تعالى ما عدا سورة من حد كانت فيها تسرع منها الفيئة قالت فاستأذنت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ورسول الله صلى الله عليه وسلم مع عائشة فى مرطها على الحالة التى دخلت فاطمة عليها وهو بها فأذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن أزواجك أرسلننى إليك يسألنك العدل فى ابنة أبى قحافة، قالت: ثم وقعت بي فاستطالت على وأنا أرقب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرقب طرفه هل يأذن لى فيها ، قالت : فلم تبرح زينب حتى عرفت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يكره أن أنتصر - قالت - فلما وقعت بها لم أنشبها حين أنحيت عليها - قالت - فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتبسم « إنها ابنة أبى بكر ».[5]
قال الإمام أحمد رحمه الله -في الرّجل له امرأتان- : " له أن يفضِّل إحداهما على الأخرى في النفقة والشهوات والسكن ، إذا كانت الأخرى في كفاية ، ويشتري لهذه أرفع من ثوب هذه ، وتكون تلك في كفاية " .
وقد علَّق ابنُ قدامة رحمه الله على كلام الإمام أحمد بقوله : وهذا لأن التسوية في هذا كله تشقّ ، فلو وجب لم يمكنه القيام به إلا بحرج ، فيسقط وجوبه كالتسوية في الوطء
وقال رحمه الله : وليس عليه التسوية بين نسائه في النفقة والكسوة إذا قام بالواجب لكل واحدة منهن. [6]
وقال ابن رشد المالكي رحمه الله : " مذهب مالك وأصحابه : أنه إن قام لكلٍّ بما يجب لها بقدر حالها : فلا حرج عليه أن يوسّع على من شاء منهن بما شاء[7]. 
قال ابن حجر رحمه الله: المراد بالعدل: التسوية بينهن بما يليق بكل منهن ، فإذا وفَّى لكل واحدة منهن كسوتها ونفقتها والإيواء إليها ، لم يضره ما زاد على ذلك من ميل قلب ، أو تبرع بتحفة .
وقال رحمه الله : وفي هذا الحديث-وقد سبق ذكره- منقبة ظاهرة لعائشة وانه لا حرج على المرء في إيثار بعض نسائه بالتّحف وإنما اللازم العدل في المبيت والنفقة ونحو ذلك من الأمور اللازمة كذا قرّره بن بطال عن المهلّب.[8]
وقال الإمام الباجي المالكي رحمه الله : والضرب الثالث من الإيثار: أن يعطي كل واحدةٍ منهما من النفقة والكسوة ما يجب لها، ثم يؤثر إحداهما بأن يكسوها الخز والحرير والحلي، ففي العتبية من رواية ابن القاسم عن مالك: أن ذلك له. 
وقال القرطبي رحمه الله: وأجاز مالك أن يفضل إحداهما في الكسوة على غير وجه الميل[9] .
وقد استنبط ابنُ المنيِّر رحمه الله عدم وجوب العدل في الهدية ، من تفضيل النبي صلى الله عليه وسلم بعض نسائه بوليمة العرس فقال-وقد ذكرناه- : " يؤخذ من تفضيل بعض النساء على بعض في الوليمة جواز تخصيص بعض دون بعض بالإتحاف والإلطاف والهدايا[10]
وجاء في الموسوعة الفقهية (34/316): وإذا قام الزوج بالواجب من النفقة والكسوة لكل واحدة من زوجاته , فهل يجوز له بعد ذلك أن يفضل إحداهن عن الأخرى في ذلك , أم يجب عليه أن يسوي بينهن في العطاء فيما زاد على الواجب من ذلك كما وجبت عليه التسوية في أصل الواجب ؟ اختلف الفقهاء في ذلك : فذهب الشافعية والحنابلة وهو الأظهر عند المالكية إلى أن الزوج إن أقام لكل واحدة من زوجاته ما يجب لها , فلا حرج عليه أن يوسع على من شاء منهن بما شاء , ونقل ابن قدامة عن أحمد في الرجل له امرأتان قال : له أن يفضل إحداهما على الأخرى في النفقة والشهوات والكسوة إذا كانت الأخرى كفاية , ويشتري لهذه أرفع من ثوب هذه وتكون تلك في كفاية , وهذا لأن التسوية في هذا كله تشق , فلو وجب لم يمكنه القيام به إلا بحرج , فسقط وجوبه , كالتسوية في الوطء . لكنهم قالوا : إن الأولى أن يسوي الرجل بين زوجاته في ذلك , وعلل بعضهم ذلك بأنه للخروج من خلاف من أوجبه . وقال ابن نافع : يجب أن يعدل الزوج بين زوجاته فيما يعطي من ماله بعد إقامته لكل واحدة منهن ما يجب لها . ونص الحنفية على وجوب التسوية بين الزوجات في النفقة على قول من يرى أن النفقة تقدر بحسب حال الزوج , أما على قول من يرى أن النفقة تقدر بحسب حالهما فلا تجب التسوية وهو المفتى به , فلا تجب التسوية بين الزوجات في النفقة لأن إحداهما قد تكون غنية وأخرى فقيرة . اهـ
قال الشيخ محمد علي فركوس حفظه الله : لا يجب على الزوجِ العدلُ بين زوجاته في النفـقة والكسوة إذا ما وفَّى بالواجب الذي عليه وقامَ به تُجاهَ كُلِّ واحدةٍ منهنَّ، فله أَنْ يُفضِّلَ إحداهما على الأخرى في النفقة والكسوة إذا كانَتِ الأخرى في كفايةٍ؛ لمكانِ المَشَقَّة في التسوية في ذلك كُلِّه، فلو أُمِرَ به فلا يَسَعُه القيامُ به إلَّا بحَرَجٍ زائدٍ؛ فسَقَطَ وجوبُه كالتسوية في الجماع.
كما لا يجب على الزوج التسويةُ بين الزوجات في المهور والولائم، بل يجوز التفاوتُ فيها، ويدلُّ على ذلك ما جاء عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي بأرض الحبشة زوّجها النجاشي وأمهرها أربعة آلاف وجهّزها من عنده وبعث بها مع شرحبيل ابن حسنة ولم يبعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء وكان مهر نسائه أربع مائة درهم »،
وفي تزويجِ زينبَ بنتِ جحشٍ رضي الله عنها قال أنسٌ رضي الله عنه: « ما رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم أولم على أحد من نسائه ما أولم عليها أولم بشاة ».[11]
هذا وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه : عبد الحميد الهضابي.
الحواشي :1 ـ أما وجوب القسم في المبيت مما لا خلاف فيه ،قال ابن قدامة رحمه الله : " لا نعلم بين أهل العلم في وجوب التسوية بين الزوجات في القسم خلافا " . "المغني" (7/ 229) .
[1] ـ أخرجه النسائي (3350)، والطحاوي في " مشكل لآثار"( 4430)،وصححه الألباني في " صحيح وضعيف سنن النسائي "( 3350).
[2] ـ أخرجه البخاري (5171).
[3] ـ أخرجه البخاري (2580).
[4] ـ أخرجه البخاري (2581).
[5] ـ أخرجه مسلم (6443).
[6] ـ " المغني " ( 8 / 144 ) .
[7] ـ " بلغة السالك " ( 1 / 437 ) .
[8] ـ "الفتح"(5/207)
[9] ـ "الجامع لأحكام القرآن"(14/217)
[10] ـ " فتح الباري " لابن حجر ( 9 / 296 ) .
ـ[11] ـ الكلمة الشهرية رقم: ٨٨"في واجبات الزوج تجاه زوجته"

المزيد من المعلومات
صيغ التّسبيح بعد صلاة المكتوبة.

صيغ التّسبيح بعد صلاة المكتوبة.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد :
فقد تكاثرت وتظافرت النصوص الشرعية في فضل الذكر ،وبيان فضله على سائر الطاعات وباقي القربات التي يتقرّب بها المسلم لربه تعالى ،من ذلك ماجاء عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ألا أنبئكم بخير أعمالكم و أزكاها عند مليككم و أرفعها في درجاتكم و خير لكم من إنفاق الذهب و الورق و خير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم و يضربوا أعناقكم ؟
قالوا : بلى يا رسول الله قال : " ذكر الله "[1]،ونحو ذلك من النصوص الشرعية في فضل الذكر، وبيان منزلته ،وعلوّ قدره ومكانته.
ويدخل في ذلك ضمنا ،ويدخل دخولا أوليا التّسبيح دبر الصلاة المكتوبة الذي خصّ بفضل عظيم ، وثواب جزيل ، وقد ثبت فضله عن النبي صلى الله عليه وسلم في غيرما دليل ، ومما ينبّه عليه في مثل هذا المقام أن كيفية وهيئة التّسبيح من ناحية العدد قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم غير ما هيئة وكيفية ، وهذا من اختلاف التنوّع ،ونظائر ذلك في السنة كثير، منها: تنوّع دعاء الاستفتاح في الصلاة ،وتنوّع الدعاء على الميت في صلاة الجنازة ، وتنوّع الصلاة الإبراهيمية وصيغ التشهّد في الصلاة ونحو ذلك ، فيحسن للمسلم أن يفعل هذا تارة ،وهذا تارة.
وذلك لكي تحفظ سنة النبي صلى الله عليه وسلم ،ولكي تُعلّم للغير،وللعمل بجميع سنة النبي صلى الله عليه وسلم .
ولأن العمل على هيئة وكيفية واحدة يؤدي ذلك عند البعض على عدم التدبّر فيها يقوله من التسبيح ،ومايحمله من المعاني في ثناياه وفي طيّاته من أنواع المحامد ، وتنزيهه سبحانه جلّ وعزّ من كل نقص وعيب ونحو ذلك من المعاني.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم خمسة صيغ في التّسبيح دبر الصّلاة، فأحببت أن أذكرها لعلّ الله أن ينفع بها ،ويكتب لنا الأجر والمثوبة من عنده إنه جواد كريم ،وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين:
الصيغة الأولى :أن يسبّح الله في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين ، ويحمده ثلاثا وثلاثين ، ويكبّره ثلاثا وثلاثين ،ويقول تمام المائة : لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، فيكون المجموع مائة .
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وحمد الله ثلاثا وثلاثين وكبر الله ثلاثا وثلاثين فتلك تسعة وتسعون وقال تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير - غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر.[2]
الصيغة الثانية :أن يسبّح الله في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين ، ويحمده ثلاثا وثلاثين ، ويكبّره أربعا وثلاثين ،فيكون المجموع مائة .
عن كعب بن عجرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : معقبات لا يخيب قائلهن - أو فاعلهن - دبر كل صلاة مكتوبة ثلاث وثلاثون تسبيحة وثلاث وثلاثون تحميدة وأربع وثلاثون تكبيرة .[3]
الصيغة الثالثة :أن يسبح الله في دبر كل صلاة خمسا وعشرين ، ويحمده خمسا وعشرين ، ويكبره خمسا وعشرين ، ويهلّله خمسا وعشرين ، فيكون المجموع مائة .
عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : أمروا أن يسبحوا دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين ،ويحمدوا ثلاثا وثلاثين ،ويكبروا أربعا وثلاثين ،فأتي رجل من الأنصار في منامه فقيل له : أمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسبحوا دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين ،وتحمدوا ثلاثا وثلاثين ،وتكبروا أربعا وثلاثين ،قال: نعم ،قال: فاجعلوها خمسا وعشرين ،واجعلوا فيها التهليل ،فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له ،فقال :اجعلوها كذلك.[4]

الصيغة الرابعة :أن يسبح الله في دبر كل صلاة عشراً ، ويحمده عشراً ، ويكبره عشراً
عن أبي هريرة رضي الله عنه قالوا يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالدرجات والنعيم المقيم قال كيف ذاك قالوا صلوا كما صلينا وجاهدوا كما جاهدنا وأنفقوا من فضول أموالهم وليست لنا أموال قال أفلا أخبركم بأمر تدركون من كان قبلكم وتسبقون من جاء بعدكم ولا يأتي أحد بمثل ما جئتم به إلا من جاء بمثله تسبحون في دبر كل صلاة عشرا وتحمدون عشرا وتكبرون عشرا.[5]
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خصلتان أو خلتان لا يحافظ عليهما عبد مسلم إلا دخل الجنة هما يسير ومن يعمل بهما قليل يسبح في دبر كل صلاة عشرا ويحمد عشرا ويكبر عشرا فذلك خمسون ومائة باللسان وألف وخمسمائة في الميزان ويكبر أربعا وثلاثين إذا أخذ مضجعه ويحمد ثلاثا وثلاثين ويسبح ثلاثا وثلاثين فذلك مائة باللسان وألف في الميزان " فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يعقدها بيده قالوا يارسول الله كيف هما يسير ومن يعمل بهما قليل ؟ قال " يأتي أحدكم يعني الشيطان في منامه فينومه قبل أن يقوله ويأتيه في صلاته فيذكره حاجة قبل أن يقولها.[6]
الصيغة الخامسة :أن يجمعها جميعا : سبحان الله ، والحمد لله ، والله أكبر ، ثم يكررها مجموعة ثلاثا وثلاثين مرة . 
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : جاء الفقراء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلا ،والنعيم المقيم ، يصلون كما نصلي ،ويصومون كما نصوم ،ولهم فضل من أموال يحجون بها ،ويعتمرون ،ويجاهدون ،ويتصدقون ،قال: ألا أحدثكم إن أخذتم أدركتم من سبقكم ولم يدرككم أحد بعدكم وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه إلا من عمل مثله ،تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين ،فاختلفنا بيننا ،فقال بعضنا : نسبح ثلاثا وثلاثين ،ونحمد ثلاثا وثلاثين ،ونكبر أربعا وثلاثين ،فرجعت إليه فقال :تقول سبحان الله ،والحمد لله ،والله أكبر حتى يكون منهن كلهن ثلاثا وثلاثين.[7]
الصفةالسادسة -المختلف فيها-: 
أن يسبّح الله دبر كل صلاة إحدى عشر تسبيحة ،وإحدى عشر تحميدة وإحدى عشر تكبيرة ، فجميع ذلك كلّه ثلاثة وثلاثون.
عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنهم قالوا يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم بمثل حديث قتيبة عن الليث إلا أنه أدرج في حديث أبي هريرة قول أبي صالح
ثم رجع فقراء المهاجرين إلى آخر الحديث وزاد في الحديث يقول سهيل إحدى عشرة إحدى عشرة فجميع ذلك كلّه ثلاثة وثلاثون .[8]
والذي يظهر أن هذا العدد ليس من صفات التسبيح لأن سهيلا بن أبي صالح ذكوان السمان رحمه الله أراد بيان طريقة عدّ الثلاث والثلاثين، فظن رحمه الله أنها تشمل كل الأذكارالثلاثة ،والصواب أن ثلاثا وثلاثين لكل فرد من الأفراد الثلاثة ، أي : يسبح الله في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين ، ويحمده ثلاثا وثلاثين ، ويكبره ثلاثا وثلاثين ، فيكون المجموع تسعة وتسعون تسبيحة لا ثلاثة وثلاثون.[9]
ويتبين ذلك أيضا بجمع الروايات في ذلك والله أعلم.
ولمن عنده فائدة أو إشادة أو تعقيب فلا يبخل به علينا .
فائدة :
وقد تكون هذه الصيغة : بسرد التسبيح ثلاثا وثلاثين ، ثم التحميد مثل ذلك ، ثم التكبير مثل ذلك . 
وقد تكون ، بأن يجمعها جميعا : سبحان الله ، والحمد لله ، والله أكبر ، ثم يكررها مجموعة ثلاثا وثلاثين مرة
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : جاء الفقراء إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقالوا ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجارت العلا والنعيم المقيم يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ولهم فضل من أموال يحجون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون . قال ( ألا أحدثكم بأمر إن أخذتم به أدركتم من سبقكم ولم يدرككم أحد بعدكم وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه إلا من عمل مثله ؟ تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين ) . 
فاختلفنا بيننا فقال بعضنا نسبح ثلاثا وثلاثين ونحمد ثلاثا وثلاثين ونكبر أربعا وثلاثين فرجعت إليه فقال ( تقول سبحان الله والحمد لله والله أكبر حتى يكون منهن كلهن ثلاثا وثلاثين.[10]
هذا وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه : عبد الحميد الهضابي.
17/04/1438
مكة المكرمة

الحواشي :[1] ـ أخرجه أحمد (45/515)( 27525)،ومالك (1/211)( 492)،وابن ماجه (2/1245)( 3790)،والترمذي (5/126)( 127)،والبيهقي في "شعب الإيمان"(1/394)( 519)،وصححه الألباني في "صحيح الجامع"(2629).
[2] ـ أخرجه مسلم (1/418)(597)
[3] ـ أخرجه مسلم (1/418) ( 596 )
[4] ـ أخرجه النسائي (3/85) (1349)،والدارمي (1/360)( 1354)،وابن خزيمة (1/370)( 752)،وأحمد (35/479)، والطحاوي في "مشكل الآثار"(9/99)( 3461)، وصححه الألباني في "صحيح وضعيف سنن النسائي"( 1350).
[5] ـ أخرجه البخاري (8/72)( 6329).
[6] ـ أخرجه أبوداود (2/736)( 5065)، صححه الحافظ ابن حجر في " تخريج الأذكار " (2 / 267) والألباني في " صحيح وضعيف سنن أبي داود "( 5065).
[7] ـ أخرجه البخاري (1/168)( 843) واللفظ له ،ومسلم (595)
[8] ـ أخرجه مسلم (2/186) ( 595 )
[9] ـ وقد استفدت هذه الفائده من شيخنا محمد الأثيوبي. في شرحه لهذا الحديث "البحر المحيظ الثجاج"(12/239)
[10] ـ أخرجه البخاري (1/168) (843)

المزيد من المعلومات
بعض الأحكام والفوائد المتعلقة بالصيام "الحلقة الثامنة"

بعض الأحكام والفوائد المتعلقة بالصيام "الحلقة الثامنة"

صلاة التراويح [1]:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين ،أما بعد :
فهذه الحلقة الثامنة فيها بعض الفوائد المتعلقة بصلاة التراويح ،وما يتعلق بها من أحكام ، لعلّ الله أن ينفع بها ويكتب لنا الأجر من عنده سبحانه وتعالى.

فضل قيام الليل والوتر:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم ، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل.[2]

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عبد الله ! لا تكن مثل فلان ، كان يقوم من الليل ، فترك قيام الليل.[3]

وعن علي رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم ليلة ، فقال : ألا تصليان ؟" فقلت : يا رسول الله ! أنفسنا بيد الله ، فإذا شاء أن يبعثنا ؛ بعثنا ، فانصرف حين قلت ذلك ، ولم يرجع إلي شيئاً ، ثم سمعته وهو مول يضرب فخذه وهو يقول : وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً.[4]

وعن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل فإن صلاة آخر الليل مشهودة محضورة وذلك أفضل.[5]

وعن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أهل القرآن أوتروا فإن الله وتر يحب الوتر.[6]

حكم صلاة الليل والوتر:
اختلف العلماء في حكم قيام الليل، والراجح من ذلك أنه سنة مؤكدة ،وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة منها :
عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول ، حتى دنا ، فإذا هو يسأل عن الإسلام. فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : خمس صلوات في اليوم والليلة . فقال : هل علي غيرها ؟ قال :لا إلا أن تطوع . قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : وصيام رمضان . قال: هل علي غيره ؟ قال : لا إلا أن تطوع . قال : وذكر له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الزكاة . قال: هل علي غيرها ؟ قال : لا إلا أن تطوع . قال : فأدبر الرجل ، وهو يقول: واللَّه لا أزيد على هذا ولا أنقص . قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : أفلح إن صدق.[7]

وعن عبد اللّه بن محيريز رحمه الله :أنّ رجلًا من بني كنانة يدعى المخدجيّ سمع رجلاً بالشّام يكنّى أبا محمّد ، يقول : الوتر واجب . قال المخدجيّ : فرحت إلى عبادة بن الصّامت رضي الله عنه فاعترضت له وهو رائح إلى المسجد ، فأخبرته بالّذي قال أبو محمّد ، فقال عبادة : كذب أبو محمّد ، سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : خمس صلوات كتبهنّ اللّه على العباد ، من جاء بهنّ ، لم يضيّع منهنّ شيئاً ، استخفافاً بحقّهنّ ، كان له عند اللّه عهد أن يدخله الجنّة ، ومن لم يأت بهنّ فليس له عند اللّه عهد ، إن شاء عذّبه وإن شاء أدخله الجنّة.[8]

وقال عليّ رضي الله عنه : الوتر ليس بحتم كهيئة الصّلاة المكتوبة ، ولكن سنّة ، سنّها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم .[9]
ولأنّ الوتر يجوز فعله على الرّاحلة لغير الضّرورة، وثبت ذلك بفعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال ابن عمر رضي الله عنهما: كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يسبّح على الرّاحلة قبل أيّ وجه توجّه ، ويوتر عليها، غير أنّه لا يصلّي عليها المكتوبة.[10] لو كانت واجبةً لما صلّاها على الرّاحلة ، كالفرائض وذلك لغير ضرورة .
وقال النووي رحمه الله: فصلاة التراويح سنة بإجماع العلماء.[11]
وقال ابن قدامة رحمه الله: وهي سنةٌ مؤكدةٌ.[12]
وقال ابن رشد رحمه الله: وأجمعوا على أن قيام شهر رمضان مرغَّب فيه أكثر من سائر الأشهر.[13]

أول وقت صلاة الليل والوتر وآخره :
يبتدأ وقت صلاة الليل بعد صلاة العشاء ويمتد إلى طلوع الفجر ،فيصح أداؤها في أي جزء من هذا الوقت . ويدل على ذلك ما يلي :
عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء (وهي التي يدعو الناس: العتمة) إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم بين كل ركعتين ، ويوتر بواحدة ، فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر ، وتبين له الفجر، وجاءه المؤذن ؛ قام، فركع ركعتين خفيفتين ، ثم اضطجع على شقه الأيمن ، حتى يأتيه المؤذن للإقامة.
وعنها رضي الله عنها قالت : من كل الليل قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أول الليل وأوسطه وآخره فانتهى وتره إلى السحر.[14]

وعن أبي بصرة الغفاري رضي الله عنه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :إن الله زادكم صلاة ، وهي الوتر ؛ فصلوها فيما بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر.
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى.[15]
قال ابن المنذر رحمه الله : وأجمعوا على أن ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر وقت للوتر.[16]
وقال النووي رحمه الله في "المجموع"(4/38) : يدخل وقت التراويح بالفراغ من صلاة العشاء , ذكره البغوي وغيره , ويبقى إلى طلوع الفجر.اهـ
والصلاة في آخر الليل أفضل لمن تيسر له ذلك ؛ لما ثبت عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :من خاف أن لا يقوم من آخر الليل ؛ فليوتر أوله ، ومن طمع أن يقوم آخره؛ فليوتر آخر الليل ؛ فإن صلاة آخر الليل مشهودة ، وذلك أفضل.[17]

ولكن إذا كان الرجل سيصلي في المسجد إماما بالناس فالأولى أن يصليها بعد صلاة العشاء ، ولا يؤخرها إلى نصف الليل أو آخره حتى لا يشق ذلك على المصلين ، وربما ينام بعضهم فتفوته الصلاة . وعلى هذا جرى عمل المسلمين ، أنهم يصلون التراويح بعد صلاة العشاء ولا يؤخرونها .
وقال ابن قدامة رحمه الله : قيل للإمام أحمد : تؤخر القيام يعني في التراويح إلى آخر الليل ؟ قال : لا , سنة المسلمين أحب إليّ.
أما من كان سيصليها في بيته فهو بالخيار إن شاء صلاها في أول الليل وإن شاء صلاها آخره.[18]
وجاء في "الإنصاف" (4/166) :وأول وقتها - يعني التراويح - بعد صلاة العشاء وسنتها على الصحيح من المذهب ، وعليه الجمهور ، وعليه العمل.اهـ
وقال ابن رشد رحمه الله : اتفقوا على أن وقته بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر.[19]
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :وقتها - يعني التراويح - من بعد صلاة العشاء ، إلى طلوع الفجر.[20]

عدد ركعات صلاة الليل والوتر وصفتها:

صلاة الليل والوتر أقلّه ركعة واحدة وأكثره إحدى عشرة ركعة ، وما زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في قيامه الليل عدّة كيفيات متنوعة وهذا من الاختلاف التنوع ،فالسنة أن يصلي بهذه تارة وبهذه تارة لكي تحصل له موافقة النبي صلى الله عليه وسلم وهذه الكيفيات هي كالتالي:

1 ـ الوتر بركعة واحدة :
عن أبي أيوب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :الوتر حق على كل مسلم ، فمن شاء ؛ أوتر بسبع ، ومن شاء ؛ أوتر بخمس ، ومن شاء بثلاث ، ومن شاء ؛ أوتر بواحدة ، فمن غلب ؛ فليومئ إيماء.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:الوتر ركعة من آخر الليل.[21]
وعنه ابن عمر رضي الله عنهما أيضا أنه صلى الله عليه وسلم قال :صلاة الليل مثنى مثنى ، فإذا خشيت الصبح؛ فأوتر بركعة.

2 ـ الوتر بثلاث ركعات :
ويشرع الوتر بثلاث ركعات فقط ، ولك أن تصليها على صفتين ، ما تيسر لك منها يجزئ عنك، وهي كالتالي :
الأولى : أن تصلي هذه الركعات الثلاث : ركعتين ثم تسلم ، ثم تصلي ركعة واحدة.
الثانية : أن تصليها ثلاث ركعات متصلة ، لا تقعد إلا في آخرهن :
عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :الوتر حق على كل مسلم ، فمن شاء ؛ أوتر بسبع ، ومن شاء ؛ أوتر بخمس ، ومن شاء بثلاث ، ومن شاء ؛ أوتر بواحدة ، فمن غلب ؛ فليومئ إيماء.
وقد ثبت أداء الثلاث موصولات دون قعود إلا في آخرهن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقد جاء عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال :كان رسول الله يقرأ من الوتر بـ {سبح اسم ربك الأعلى} ، وفي الركعة الثانية بـ{قل يا أيها الكافرون} ، وفي الثالثة بـ {قل هو الله أحد}، ولا يسلم إلا في آخرهن.[22]

تنبيه :

وهناك صفة ثالثة وهي منهية عنها يفعلها بعض الناس وهي خطأ وصفتها أن يصلي ركعتين ثم يجلس بعد الثانية ثم يأتي بالثالثة كهيئة صلاة المغرب ويدل على ذلك ما ثبت عن أبي هريرة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا توتروا بثلاث تشبهوا بصلاة المغرب ، ولكن أوتروا بخمس ، أو بسبع ، أو بتسع ، أو بإحدى عشرة.[23]
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:فيجوزُ الوِترُ بثلاثٍ ، ويجوزُ بخمسٍ ، ويجوزُ بسبعٍ ، ويجوزُ بتسعٍ ، فإنْ أوترَ بثلاثٍ فله صِفتان كِلتاهُما مشروعة :
الصفة الأولى : أنْ يَسْرُدَ الثَّلاثَ بِتَشهدٍ واحدٍ .
الصفة الثانية : أنْ يُسلِّمَ مِن رَكعتين، ثم يُوتِرَ بواحدة .
كلُّ هذا جَاءت به السُّنةُ ، فإذا فَعَلَ هذا مرَّةً ، وهذا مرَّةً : فَحَسَنٌ .
ويجوز أن يجعلها بسلام واحدٍ ، لكن بتشهُّدٍ واحدٍ لا بتشهُّدين ؛ لأنه لو جعلها بتشهُّدين لأشبهت صلاةَ المغربِ ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تُشَبَّهَ بصلاةِ المغربِ.[24]

3 ـ الوتر بخمس ركعات :

يشرع الوتر بخمس ركعات ، ولك أن تصليها على صفتين :

الأولى : أن تصلي ركعتين ، ثم تصلي ركعتين ، ثم تصلي ركعة.

الثانية : أن تصليها خمس ركعات موصولات ، لا تجلس إلا في آخرهن.

عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :الوتر حق على كل مسلم ، فمن شاء ؛ أوتر بسبع ، ومن شاء ؛ أوتر بخمس ، ومن شاء بثلاث ، ومن شاء ؛ أوتر بواحدة ، فمن غلب ؛ فليومئ إيماء.

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة ؛ يوتر من ذلك بخمس ، لا يجلس إلا في آخرها.[25]

4 ـ الوتر بسبع ركعات :

يشرع الوتر بسبع ركعات ، ويؤدى على صفتين :
الأولى : أن يصلي ست ركعات مثنى مثنى ، ثم يوتر بواحدة .
الثانية : أن يصلي سبع ركعات موصولات ، لا يقعد إلا في السادسة ، فيتشهد ، ثم يقوم ولا يسلم ، ويأتي بالسابعة ثم يسلم .

ومما يدل على ذلك ما يلي :
عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :الوتر حق على كل مسلم ، فمن شاء ؛ أوتر بسبع ، ومن شاء ؛ أوتر بخمس ، ومن شاء بثلاث ، ومن شاء ؛ أوتر بواحدة ، فمن غلب ؛ فليومئ إيماء.
وعن أم سلمة لكان النبي صلى الله عليه وسلم يوتر بثلاث عشرة ركعة ، فلما كبر وضعف أوتر بسبع.[26]
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت :كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوتر بتسع ركعات ؛ لم يقعد إلا في الثامنة ، فيحمد الله ، ويذكره ، ويدعو ، ثم ينهض ولا يسلم ، ثم يصلي التاسعة ، فيجلس ، فيذكر الله عز وجل، ويدعو ، ثم يسلم تسليمة يسمعنا ، ثم يصلي ركعتين وهو جالس ، فلما كبر وضعف ؛ أوتر بسبع ركعات ، لا يقعد إلا في السادسة ثم ينهض ولا يسلم ، فيصلي السابعة ، ثم يسلم تسليمة ، ثم يصلي ركعتين وهو جالس.[27]

5 ـ الوتر بتسع ركعات :

ويشرع للمسلم أن يوتر بتسع ركعات ، وله فيها صفتان ، وهي التالية :
الأولى : أن يصلي مثنى مثنى ثمان ركعات ثم يوتر بواحدة .
الثانية : أن يصلي تسع ركعات موصولات ، لا يقعد إلا في الثامنة للتشهد ، ثم يصلي التاسعة ، ويقعد فيها للتشهد الثاني ، ثم يسلم .

ومما يدل على ذلك ما يلي :

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى.
عن سعد بن هشام ؛ قال :قلت : يا أم المؤمنين -أي: عائشة رضي الله عنها - أنبئيني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : ألست تقرأ القرآن ؟ قلت: بلى . قالت : فإن خلق نبي الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن . قال: فهممت أن أقوم ولا أسأل أحداً عن شيء حتى أموت ، ثم بدا لي ، فقلت : أنبئيني عن قيام رسول الله ؟ فقالت: ألست تقرأ :{ يا أيها المزمل} ؟ قلت : بلى. قالت : فإن الله عز وجل افترض قيام الليل في أول هذه السورة ، فقام نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولاً ، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء، حتى أنزل الله من آخر هذه السورة التخفيف ، فصار قيام الليل تطوعاً بعد فريضة ، قال: قلت: يا أم المؤمنين! أنبئيني عن وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالت : كنا نعد له سواكه وطهوره ، فيبعثه الله ما شاء الله أن يبعثه من الليل ، فيتسوك ، ويتوضأ ، ويصلي تسع ركعات؛ لا يجلس إلا في الثامنة ، فيذكر الله ويحمده ويدعوه ، ثم ينهض ولا يسلم ، ثم يقوم، فيصلي التاسعة، ثم يقعد ، فيذكر الله ويحمده ويدعوه ، ثم يسلم تسليماً يسمعنا ، ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم وهو قاعد ؛ فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني ، فلما سن نبي الله صلى الله عليه وسلم ، وأخذه اللحم ؛ أوتر بسبع ؛ وصنع في الركعتين مثل صنيعه الأول ؛ فتلك تسع يا بني ....[28]

6 ـ الوتر بإحدى عشرة ركعة :

يشرع للمسلم أن يوتر بإحدى عشرة ركعة ، ويصليها على صفتين :
الأولى : أن يصلي مثنى مثنى عشر ركعات ثم يوتر بواحدة .
الثاني : أن يصلي أربعاً أربعاً ثم يصلي ثلاثاً.

ويدل على ذلك ما يلي :

عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة رضي الله عنها: كيف كانت صلاته صلى الله عليه وسلم في رمضان ؟ فقالت : ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة : يصلي أربعاً ، فلا تسل عن حسنهن وطولهن ، ثم يصلي أربعاً ،؛ فلا تسل عن حسنهن وطولهن ، ثم يصلي ثلاثاً. قالت عائشة : فقلت : يا رسول الله ! أتنام قبل أن توتر ؟ فقال:" يا عائشة ! إن عيني تنامان ولا ينام قلبي.[29]
وفي رواية : كان يصلي ثلاث عشرة ركعة : يصلي ثمان ركعات ثم يوتر، ثم يصلي ركعتين وهو جالس ؛ فإذا أراد أن يركع ؛ قام فركع ، ثم يصلي ركعتين بين النداء و الإقامة من الصبح.[30]

وعنها رضي الله عنها أيضا ؛ قالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة ؛ يوتر منها بواحدة ، فإذا فرغ منها ؛ اضطجع على شقه الأيمن ، حتى يأتيه المؤذن ، فيصلي ركعتين خفيفتين.[31]

وفي رواية : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء (وهي التي يدعو الناس العتمة) إلى الفجر إحدى عشرة ركعة ؛ يسلم بين كل ركعتين ، ويوتر بواحدة ، فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر ، وتبين له الفجر ، وجاءه المؤذن ؛ قام ، فركع ركعتين خفيفتين ، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة.[32]

هل له أن يصلي أكثر من إحدى عشرة ركعة:

صلاة الليل والوتر إحدى عشرة ركعة ، فلا يزاد عليها اتباعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه لم يزد عليها حتى فارق الدنيا فالزيادة على إحدى عشرة ركعة مخالف للسنة، قالت عائشة رضي الله عنها :ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة.
كذلك لم يثبت عن أحد من أصحابه ي الزيادة على ما شرعه وبينه صلى الله عليه وسلم، والأثر المروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يصلي أكثر من إحدى عشرة ركعة فضعيف جدا لم يثبت، بل ثبت عنه بالسند الصحيح الصريح موافقا لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم فعن السائب بن يزيد أنه قال : أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس إحدى عشرة ركعة قال : وقد كان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر.[33]

وأما من استدل على جواز الزيادة على إحدى عشرة ركعة بحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صلاة الليل مثنى مثنى ، فإذا خشى أحدكم الصبح ؛ صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى. وفي رواية : قام رجل فقال : يا رسول الله! كيف صلاة الليل؟.
فهذا الحديث يدل على بيان كيفية صلاة الليل من جهة العدد لا من ناحية الكم ، وحديث عائشة رضي الله عنها المتقدم –وغيرها من الأحاديث- يجمع مع هذا الحديث فيتضح المعنى والأحاديث يفسر بعضها بعضا.
قال شيخنا محمد عمر بازمول ـ حفظه الله ـ: استدل بعضهم بالحديث على أن صلاة الليل لا حدّ لأكثرها، وفيه نظر من وجوه؛ منها:

الوجه الأول : أن الثابت من فعله صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل والوتر أنه لم يزد فيها عن إحدى عشرة ركعة .
الوجه الثاني : وردت رواية لهذا الحديث تفسره ، وهي الرواية المشار إليها سابقاً ، وقد أخرجها البخاري بلفظ : أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب ، فقال : كيف صلاة الليل ؟ فقال: مثنى مثنى ، فإذا خشيت الصبح ؛ فأوتر بواحدة ؛ توتر لك ما قد صليت، وهذه الرواية فيها بيان أن المراد بقوله صلى الله عليه وسلم : مثنى مثنى، بيان كيفية الصلاة لا كمية الصلاة ، فلا يريد الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله ذاك بيان العدد ، وإنما الفصل والوصل ؛ فصلاة الليل تصلى ركعتين ركعتين ، وأولى ما فسر به الحديث من الحديث.
الوجه الثالث : أن قوله صلى الله عليه وسلم : مثنى ، مثنى: يفيد إرادة الصفة ، لا إرادة العدد ، إذ العدد المعدول (مثنى مثنى) إنما يعني : صلي صلاة الليل ركعتين ركعتين ؛ دون أن يراد بيان العدد ؛ فافهم. وهذا كما في قوله تعالى : {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع} النساء :3.[34]

قلت : قيام الليل من النوافل المقيدة التي جاءت كيفيتها مبينة في السنة -وقد ذكرنا صفتها وتنوّعها- بدليل خبر عائشة رضي الله عنها المتقدم أنه صلى الله عليه وسلم لم يزد على إحدى عشرة ركعة ،فهل يجوز لأحد أن يزيد في سنة الظهر والمغرب والعشاء والفجر ؟

الجواب: من فعل ذلك فقد خالف السنة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزد على ماورد لا قولا ولا فعلا ولا تقريرا فعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من ثابر على اثنتي عشرة ركعة بنى الله عز وجل له بيتا في الجنة أربعا قبل الظهر وركعتين بعد الظهر وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل الفجر.[35]

تنبيه : 
ورد في بعض الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم صلى ثلاث عشرة ركعة ،وقد اختلف أهل العلم في ذلك ،أهي سنة العشاء البعدية ، أو ركعتا الفجر،والصحيح من ذلك أنها ركعتا الفجر.
فعن عامر الشعبي قال :سألت عبد الله ابن عباس وعبد الله بن عمر عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل ؟،فقالا :ثلاث عشرة ركعة . منها ثمان . ويوتر بثلاث . وركعتين بعد الفجر.[36]
وعن عائشة رضي الله عنها قالت :كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، منها الوتر وركعتا الفجر.[37]
وعن أبي سلمة قال : سألت عائشة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالت كان يصلي ثلاث عشرة ركعة يصلي ثمان ركعات ثم يوتر ثم يصلي ركعتين وهو جالس فإذا أراد أن يركع قام فركع ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح.[38]
وعن عائشة رضي الله عنها قالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة ؛ يوتر منها بواحدة ، فإذا فرغ منها ؛ اضطجع على شقه الأيمن ، حتى يأتيه المؤذن ، فيصلي ركعتين خفيفتين.[39]
صلاة ركعتين بعد الوتر جالسا أحيانا من السنن المهجورة :
كان من هديه صلى الله عليه وسلم أنه يصلي ركعتين خفيفتين بعد الوتر أحياناً وهو جالس والسنة أن يقرأ فيهما : سورة الزلزلة وسورة الكافرون ،ويدل على ذلك ما ثبت عن ثوبان رضي الله عنه قال : كنا مع الرسول صلى الله عليه وسلم في سفر ، فقال: إن هذا السفر جهد وثقل ، فإذا أوتر أحدكم فليركع ركعتين ، فإن استيقظ و إلا كانتا له.[40]
وقد بوب ابن خزيمة رحمه الله على حديث ثوبان هذا بقوله :"باب ذكر الدليل على أن الصلاة بعد الوتر مباحة لجميع من يريد الصلاة بعده ، وأن الركعتين اللتين كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليهما بعد الوتر لم يكونا خاصة للنبي صلى الله عليه وسلم دون أمته ؛ إذ النبي صلى الله عليه وسلم قد أمرنا بالركعتين بعد الوتر أمر ندب وفضيلة لا أمر إيجاب وفريضة".[41]

ما يقرأ في الوتر:

يشرع للمسلم أن يقرأ في الأولى من الوتر : {سبح اسم ربك الأعلى}
وفي الثانية : {قل يا أيها الكافرون } ، وفي الثالثة : { قل هو الله أحد} .
وأحياناً يقرأ في الثالثة مع {قل هو الله أحد} : المعوذتين .

والدليل على ذلك ما يلي :
عن أبي بن كعب رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر بثلاث ركعات ، كان يقرأ في الأولى بـ {سبح اسم ربك الأعلى} ، وفي الثانية بـ{ قل يا أيها الكافرون} ، وفي الثالثة بـ {قل هو الله أحد} ، ويقنت قبل الركوع ، فإذا فرغ ؛ قال عند فراغه :" سبحان الملك القدوس" ؛ ثلاث مرات، يطيل في آخرهن.[42]
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بثلاث ؛ يقرأ في الأولى بـ {سبح اسم ربك الأعلى} ، وفي الثانية بـ { قل يا أيها الكافرون} ، وفي الثالثة بـ {قل هو الله أحد}.
عن عبد العزيز بن جريج قال: سألت عائشة رضي الله عنها : بأي شيء كان يوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : كان يقرأ في الأولى بـ { سبح اسم ربك الأعلى} ، وفي الثانية بـ { قل يا أيها الكافرون} ، وفي الثالثة بـ {قل هو الله أحد} والمعوذتين.
وعن أبي بن كعب رضي الله عنه بلفظ : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الوتر بـ {سبح اسم ربك الأعلى} ، وفي الركعة الثانية بـ {قل يا أيها الكافرون} ، وفي الثالثة بـ {قل هو الله أحد} ، ولا يسلم إلا في آخرهن ، ويقول (يعني : بعد التسليم): سبحان الملك القدوس ؛ ثلاثاً .

لا وتران في ليلة :

لايجوز للمصلي أن يوتر مرتين في ليلة ،فعن قيس بن طلق قال : زارنا أبي في يوم رمضان فأمسى عندنا وأفطر وقام بنا تلك الليلة وأوتر بنا ، ثم انحدر إلى مسجده فصلى بأصحابه حتى بقي الوتر ، ثم قدّم رجلا من أصحابه فقال : أوتر بأصحابك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا وتران في ليلة .[43]

قال أبو عيسى الترمذي رحمه الله -معلقاً على حديث :لا وتران في ليلة- : اختلف أهل العلم في الذي يوتر من أول الليل ثم يقوم من آخره :
فرأى بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم نقض الوتر ، وقالوا : يضيف إليها ركعة ، ويصلي ما بدا له ، ثم يوتر في آخر صلاته ؛ لأنه : لا وتران في ليلة. وهو الذي ذهب إليه إسحاق
وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم : إذا أوتر من أول الليل ، ثم نام ، ثم قام من آخر الليل ، فإنه يصلي ما بدا له ، ولا ينقض وتره ، ويدع وتره على ما كان. وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك والشافعي و أهل الكوفة و أحمد .
وهذا أصح ؛ لأنه قد روي من غير وجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صلى بعد الوتر.[44]

إذا أوتر هل له أن يصلي بعد وتره :

إذا أوتر ثم بدا له أن يصلي بعد وتره فله ذلك لحديث ثوبان رضي الله عنه الذي سبق ذكره ،وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة رضي الله عنها: عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل فقالت : كان يصلي ثلاث عشرة ركعة تسع ركعات قائما يوتر فيها وركعتين جالسا فإذا أراد أن يركع قام فركع وسجد ويفعل ذلك بعد الوتر فإذا سمع نداء الصبح قام فركع ركعتين خفيفتين.

قال أبو عيسى الترمذي رحمه الله : قال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم : إذا أوتر من أول الليل ، ثم نام ، ثم قام من آخر الليل ، فإنه يصلي ما بدا له ، ولا ينقض وتره ، ويدع وتره على ما كان. وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك والشافعي و أهل الكوفة و أحمد وهذا أصح ؛ لأنه قد روي من غير وجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صلى بعد الوتر .[45]

هل الوتر يقضى :
من نام عن وتره أو غلبه عليه وجع ونحوه فله أن يصليه بعد الفجر والأفضل أن يصليه بعد ما تطلع الشمس من النهار على القول الراجح من أقوال أهل العلم ، وهو مخير في عدد الركعات التي يصليها بين أمرين :

الأول : أن يصلي وتره كما كان يصليه .

و ذلك لما ثبت من حديث إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه : أنه كان في مسجد عمرو بن شرحبيل فأقيمت الصلاة فجعلوا ينتظرونه فقال إني كنت أوتر قال وسئل عبد الله هل بعد الأذان وتر؟، قال: نعم وبعد الإقامة وحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نام عن الصلاة حتى طلعت الشمس ثم صلى.[46]

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعا : من نام عن الوتر أو نسيه فليصل إذا أصبح أو ذكره.[47]

الثاني : أن يصلي من النهار اثنتي عشرة ركعة.

عن عائشة رضي الله عنها قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم يصل من الليل منعه من ذلك النوم أو غلبته عيناه صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة.[48]

قال الإمام مالك : وإنما يوتر بعد الفجر من نام عن الوتر ، ولا ينبغى لأحد أن يتعمد ذلك حتى يضع وتره بعد الفجر.[49]
قال شيخنا محمد علي آدم الأثيوبي ـ حفظه الله ـ: قول الراجح عندي قول من قال:إن الوتر إذا فات يقضى مطلقا أبدا ليلا أو نهارا لحديث أبي داود وغيره من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعا: من نام عن وتر أو نسيه فليصله إذا ذكره ,صححه الحاكم ووافقه الذهبي وصححه أيضا الحافظ العراقي وفي لفظ للترمذي :من نام عن الوتر أو نسيه فليصل إذا ذكر استيقظ :ولحديث الباب ولأنه صلى الله عليه وسلم قضى سنة الصبح بعد طلوع الشمس حينما فاتته مع الفرض ولعموم :من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها :فإنه يدخل فيه الفرض والنفل وهوفي الفرض أمر فرض وفي النفل أمر ندب.[50]

دعاء القنوت في الوتر في النصف من رمضان :

دعاء القنوت في الوتر مستحب ، وليس بواجب على الراجح من أقوال أهل العلم ،قال عبد الرحمن بن عبد القارئ -وكان في عهد عمر بن الخطاب- وذكر جمع عمر الناس على إمام ، ثم قال- : فكان الناس يقومون أوله وكانوا يلعنون الكفرة في النصف : اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ولا يؤمنون بوعدك وخالف بين كلمتهم وألق في قلوبهم الرعب وألق عليهم رجزك وعذابك إله الحق ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو للمسلمين بما استطاع من خير ثم يستغفر للمؤمنين قال وكان يقول إذا فرغ من لعنة الكفرة وصلاته على النبي واستغفاره للمؤمنين والمؤمنات ومسألته اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد ونرجو رحمتك ربنا ونخاف عذابك الجد إن عذابك لمن عاديت ملحق ثم يكبر ويهوى ساجدا.[51]

وعن داود بن الحصين أنه سمع الأعرج يقول : ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان.[52]

أين يكون محل القنوت في الوتر هل هو قبل الركوع أم بعد الركوع:

محل القنوت قبل الركوع وبعده ، والأفضل بعده لكثرة الأحاديث الواردة في ذلك ، فعن عاصم قال: سألت أنس بن مالك رضي الله عنهما عن القنوت فقال : قد كان القنوت, قلت قبل الركوع أو بعده؟ قال: قبله, قال فإن فلاناً أخبرني عنك أنك قلت بعد الركوع, فقال كذب, إنما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الركوع شهراً, أراه كان بعث قوماً يقال لهم القراء زهاء سبعين رجلاً إلى قوم مشركين دون أولئك, وكان بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فقنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً يدعو عليهم[53].

وإذا قنت قبله بعد القراءة فلا حرج في ذلك ، وذلك لما ثبت عن أبي بن كعب رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر بثلاث ركعات ، كان يقرأ في الأولى بـ {سبح اسم ربك الأعلى} ، وفي الثانية بـ{ قل يا أيها الكافرون} ، وفي الثالثة بـ {قل هو الله أحد} ، ويقنت قبل الركوع ، فإذا فرغ ؛ قال عند فراغه :" سبحان الملك القدوس" ؛ ثلاث مرات، يطيل في آخرهن.

وعن علقمة قال :إن ابن مسعود وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقنتون في الوتر قبل الركوع .[54]
قال ابن تيمية رحمه الله: وأما القنوت فالناس فيه طرفان ووسط, فمنهم من لا يرى القنوت إلا قبل الركوع, ومنهم من لا يراه إلا بعد, وأما فقهاء أهل الحديث كأحمد وغيره فيجوزون كلا الأمرين لمجيء السنة الصحيحة بهما, وإن اختاروا القنوت بعده لأنه أكثر وأقيس, فإن سماع الدعاء مناسب لقول العبد: سمع الله لمن حمده, فإنه يشرع الثناء على الله قبل دعائه كما بنيت فاتحة الكتاب على ذلك أولها ثناء وآخرها دعاء.[55]

مشروعية الجماعة في القيام :

وتشرع الجماعة في قيام رمضان ، لإقامة النبي صلى الله عليه وسلم لها بنفسه ، وبيانه لفضلها وحثه عليها وترغيبه فيها ، فعن أبي ذر رضي الله عنه قال : صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رمضان ، فلم يقم بنا شيئا من الشهر حتى بقي سبع فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل ، فلما كانت السادسة لم يقم بنا ، فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل ، فقلت : يا رسول الله ! لو نفلتنا قيام هذه الليلة ، فقال : إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة " فلما كانت الرابعة لم يقم ، فلما كانت الثالثة جمع أهله ونساءه والناس ، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح ، قال : قلت : وما الفلاح ؟ قال : السحور، ثم لم يقم بنا بقية الشهر.[56]
وعن عائشة رضي الله عنها قالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات ليلة من جوف الليل ، فصلى في المسجد ، فصلى رجال بصلاته ، فأصبح الناس فتحدثوا ، فاجتمع أكثر منهم ، فصلوا معه ، فأصبح الناس فتحدثوا، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة ، فخرج رسول الله، فصلوا بصلاته ، فلما كانت الليلة الرابعة ؛ عجز المسجد عن أهله ، حتى خرج لصلاة الصبح ، فلما قضي الفجر ؛ أقبل على الناس ، فتشهد ، ثم قال: أما بعد؛ فإنه لم يخف علي مكانكم ، لكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها.[57]
قال الحافظ رحمه الله -عند ذكره لفوائد هذا الحديث- : فيه ندب قيام الليل -ولا سيما في رمضان- جماعة ؛ لأن الخشية المذكورة أمنت بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، ولذلك جمعهم عمر بن الخطاب على أبي بن كعب.[58]

السبب في عدم استمرار النبي صلى الله عليه وسلم بالجماعة :
لم يقم بهم صلى الله عليه وسلم صلاة الليل في رمضان بقية الشهر خشية أن تفرض عليهم ، فيعجزوا عنها كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين وغيرهما ، وقد زالت هذه الخشية بوفاته صلى الله عليه وسلم بعد أن أكمل الله الشريعة ،وانقطع الوحي من السماء بوفاته صلى الله عليه وسلم ، وبذلك زالت العلة ، وهي خشية أن تفرض على هذه الأمة، وبقي الحكم بمشروعية الجماعة ، ولذلك أمر الفاروق أبيّا وتميما رضي الله عنهم أن يصلوا بالناس صلاة التراويح.

قال الشيخ الألباني رحمه الله : وهذه الأحاديث ظاهرة الدلالة على مشروعية صلاة التراويح جماعة؛ لاستمراره صلى الله عليه وسلم في تلك الليالي، ولا ينافيه تركه صلى الله عليه وسلم لها في الليلة الرابعة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم علَّله بقوله: "خشيت أن تفرض عليكم" ولاشك أن هذه الخشية قد زالت بوفاته صلى الله عليه وسلم أن أكمل الله الشريعة، وبذلك يزول المعلول وهو ترك الجماعة ويعود الحكم السابق، وهو مشروعية الجماعة، ولهذا أحياها عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وعليه جمهور العلماء.[59]

لماذا سميت بصلاة التراويح :

قال ابن منظور: والترويحة في شهر رمضان: سميت بذلك لاستراحة القوم بعد كل أربع ركعات.
وفي الحديث: صلاة التراويح؛ لأنهم كانوا يستريحون بين كل تسليمتين
والتراويح: جمع ترويحة، وهي المرة الواحدة من الراحة، تفعيلة منها مثل تسليمة من السلام.[60]

مشروعية الجماعة للنساء :
ويشرع للنساء أن يصلين صلاة التراويح جماعة ،فعن أبي ذر رضي الله عنه قال : صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رمضان ، فلم يقم بنا شيئا من الشهر حتى بقي سبع فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل ، فلما كانت السادسة لم يقم بنا ، فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل ، فقلت : يا رسول الله ! لو نفلتنا قيام هذه الليلة ، فقال : إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة ، فلما كانت الرابعة لم يقم ، فلما كانت الثالثة جمع أهله ونساءه والناس ، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح ، قال : قلت : وما الفلاح ؟ قال : السحور ، ثم لم يقم بنا بقية الشهر.
و يجوز أن يجعل لهن إمام خاص بهن ، غير إمام الرجال ، فقد ثبت أن عمر رضي الله عنه لما جمع الناس على صلاة التراويح ، جعل على الرجال أبي بن كعب ، وعلى النساء سليمان بن أبي حثمة ، فعن عرفجة الثقفي قال :كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يأمر الناس بقيام شهر رمضان ويجعل للرجال إماما وللنساء إماما ، قال : فكنت أنا إمام النساء.[61]

هل يصلي القيام في رمضان وحده أم أن الجماعة أفضل :

صلاة التراويح مع الجماعة أفضل من صلاة الرجل وحده في بيته ،لأنه تتابع عليه-أي:صلاة التراويح جماعة- الصحابة ومن بعدهم رضي الله عنهم ، ولأنه يحسب له قيام ليلة تامة ، لكن لو صلاها في بيته منفرداً ، أو جماعةً بأهله فلا حرج في ذلك.
وعلى ذلك-أي: صلاة جماعة- جرى عمل الصحابة ففي عهد عمر رضي الله عنه ، قال عبد الرحمن بن عبيد القاري :خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى المسجد ، فإذا الناس أوزاع متفرقون ، يصلي الرجل لنفسه ، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط ، فقال : والله إني لأرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ، ثم عزم ، فجمعهم على أبي بن كعب ، قال : ثم خرجت معه ليلة أخرى ، والناس يصلون بصلاة قارئهم ، فقال : عمر ، نعمت البدعة هذه ، والتي ينامون عنها[62] أفضل من التي يقومون وكان الناس يقومون أوله.[63]

وقال زيد بن وهب رحمه الله : كان عبد الله يصلي بنا في شهر رمضان فينصرف بليل
وعن السائب بن يزيد : أن عمر رضي الله عنه جمع الناس في رمضان على أُبي بن كعب وعلى تميم الداري على إحدى وعشرين ركعة يقرؤون بالمئين وينصرفون عند فروع الفجر.
قال أبو عيسى الترمذي رحمه الله : واختار بن المبارك وأحمد وإسحاق الصلاة مع الإمام في شهر رمضان ، واختار الشافعي أن يصلي الرجل وحده إذا كان قارئا وفي الباب عن عائشة والنعمان بن بشير وابن عباس.[64]

قلت : والقول الذي نقله عن الشافعي ليس على إطلاقه بل هو مقيد بثلاثة شروط نقلها ابن حجر في "الفتح" (4/252) حيث قال : وعند الشافعية في أصل المسألة ثلاثة أوجه ثالثها : من كان يحفظ القرآن ، ولا يخاف من الكسل ، ولا تختل الجماعة في المسجد بتخلّفه ؛ فصلاته في الجماعة والبيت سواء ، فمن فقد بعض ذلك فصلاته في الجماعة أفضل.اهـ
قلت : وعلى هذا تحُمل الآثار الواردة في مشروعية صلاة التراويح في البيوت.
فعن مجاهد قال : جاء رجل إلى ابن عمر رضي الله عنهما فقال : أصلي خلف الإمام في رمضان ؟ قال : أتقرأ القرآن ؟ قال : نعم . قال : أفتنصت كأنك حمار ؟!! صل في بيتك.[65]

قال البهوتي رحمه الله : وَالتراويح بمسجد أفضل منها ببيت , لأنه صلى الله عليه وسلم جمع الناس عليها ثلاث ليال متوالية , كما روته عائشة . . وقال صلى الله عليه وسلم : من قام مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة.[66]
وقال النووي رحمه الله : صلاة التراويح سنة بإجماع العلماء . . . وتجوز منفردا وجماعة , وأيهما أفضل ؟
فيه وجهان مشهوران . . .الصحيح باتفاق الأصحاب أن الجماعة أفضل.[67]

وقال الشوكاني رحمه الله: قال النووي : اتفق العلماء على استحبابها قال : واختلفوا في أن الأفضل صلاتها في بيته منفردا أم في جماعة في المسجد فقال الشافعي وجمهور أصحابه وأبو حنيفة وأحمد وبعض المالكية وغيرهم : الأفضل صلاتها جماعة كما فعله عمر بن الخطاب والصحابة ي واستمر عمل المسلمين عليه لأنه من الشعائر الظاهرة.[68]

القراءة من المصحف في صلاة التراويح :

لا ينبغي للإمام إذا كان في الصلاة أن يحمل المصحف ؛ لأن ذلك يؤدي به إلى حركة لا حاجة إليها والحركة في الصلاة لغير حاجة مكروهة لأن ذلك ينافي الخشوع وهو لبّ الصلاة ،وأما إذا كان الإمام ضعيف الحفظ فلا بأس لحمله المصحف .
قال الإمام أحمد رحمه الله : لا بأس أن يصلي بالناس القيام وهو ينظر في المصحف . قيل له : في الفريضة ؟ قال : لا , لم أسمع فيه شيئا . وقال القاضي : يكره في الفرض , ولا بأس به في التطوع إذا لم يحفظ , فإن كان حافظا كره أيضا . قال : وقد سئل رحمه الله :عن الإمامة في المصحف في رمضان ؟ فقال : إذا اضطر إلى ذلك...
وسئل الزهري رحمه الله عن رجل يقرأ في رمضان في المصحف فقال : كان خيارنا يقرءون في المصاحف...وأبيحت القراءة في المصحف لموضع الحاجة إلى سماع القرآن والقيام به .
واختصت الكراهة بمن يحفظ لأنه يشتغل بذلك عن الخشوع في الصلاة ، والنظر إلى موضع السجود لغير حاجة . وكره في الفرض على الإطلاق ; لأن العادة أنه لا يحتاج إلى ذلك فيها.[69]

وقال النووي رحمه الله في :لو قرأ القرآن من المصحف لم تبطل صلاته سواء كان يحفظه أم لا ، بل يجب عليه ذلك إذا لم يحفظ الفاتحة . . .

وهذا الذي ذكرناه من أن القراءة في المصحف لا تبطل الصلاة مذهبنا ومذهب مالك وأبي يوسف ومحمد وأحمد.[70]

وسئل الشيخ ابن باز رحمه الله مانصه: هل يجوز للإمام في أثناء الصلوات الخمس أن يقرأ من المصحف ، وخاصة صلاة الفجر لأن تطويل القراءة فيها مطلوب وذلك مخافة الغلط أو النسيان ؟

فأجاب بقوله : يجوز ذلك إذا دعت إليه الحاجة ، كما تجوز القراءة من المصحف في التراويح لمن لا يحفظ القرآن ، وقد كان ذكوان مولى عائشة طا يصلي بها في رمضان من مصحف ، ذكره البخاري في صحيحه تعليقا مجزوما به ، وتطويل القراءة في صلاة الفجر سنة ، فإذا كان الإمام لا يحفظ المفصل ولا غيره من بقية القرآن الكريم جاز له أن يقرأ من المصحف ، ويشرع له أن يشتغل بحفظ القرآن ، وأن يجتهد في ذلك ، أو يحفظ المفصل على الأقل حتى لا يحتاج إلى القراءة من المصحف ، وأول المفصل سورة ق إلى آخر القرآن ، ومن اجتهد في الحفظ يسر الله أمره ، لقوله سبحانه : ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ) وقوله عز وجل : ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ).[71]

وقال الشيخ بن عثيمين رحمه الله : يجوز للإنسان أن يقرأ من المصحف وهو يصلي، سواء صلاة فريضة أو نافلة؛ لكن عند الحاجة، أما إذا لم يكن حاجة فلا؛ لأنه إذا قرأ في المصحف سوف يفوت بعض السنن، سوف يفوت وضع اليد اليمنى على اليسرى في القيام وسوف يحدث منه حركة في تقليب الأوراق وفي حمل المصحف ووضعه، وسوف يشتغل بصره بتتبع الكلمات والحروف عن النظر إلى موضع السجود، أو عن النظر الثابت سواء عند موضع السجود أو غيره، فتجد بصرَه يتردد وهذه حركة للبصر، إي نعم. المهم خلاصة الجواب: أنه لا بأس أن يقرأ في المصحف عند الحاجة، سواء في الفريضة أو في النافلة، نعم.

المأموم هل له أن يحمل المصحف وراء إمامه في صلاة التراويح:

لا ينبغي للمأموم إذا كان في الصلاة أن يحمل المصحف ؛ لأن ذلك يؤدي إلى حركة لا حاجة إليها والحركة في الصلاة لغير حاجة مكروهة كما نص على ذلك أهل العلم، وأما إذا كان إمامه ضعيف الحفظ ولا يوجد من هو أولى منه ممن كان حفظه عن ظهر قلب فلا بأس أن يحمله.

وللإمام أن يوكل أحدهم بحمل المصحف ليفتح عليه، لكن أن يحمل المصحف أكثر من أحد من لم يوكله فهذا خلاف السنة.

سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله مانصه: ما حكم حمل المصاحف من قبل المأمومين في صلاة التراويح في رمضان بحجة متابعة الإمام؟

فأجاب بقوله: حمل المصحف لهذا الغرض فيه مخالفة للسنة وذلك من وجوه:
الوجه الأول: أنه يفوت الإنسان وضع اليد اليمنى على اليسرى في حال القيام.
الوجه الثاني: أنه يؤدي إلى حركة كثيرة لا حاجة إليها، وهي فتح المصحف، وإغلاقه، ووضعه في الإبط وفي الجيب ونحوهما.
الوجه الثالث: أنه يشغل المصلي في الحقيقة بحركاته هذه.
الوجه الرابع: أنه يفوت المصلي النظر إلى موضع السجود وأكثر العلماء يرون أن النظر إلى موضع السجود هو السنة والأفضل.[72]
وقال شيخنا صالح الفوزان حفظه الله : وأما في الصلاة فالأفضل أن يقرأ عن ظهر قلب وذلك لأنه إذا قرأ من المصحف فإنه يحصل له عمل متكرر في حمل المصحف وإلقائه وفي تقليب الورق وفي النظر إلى حروفه، وكذلك يفوته وضع اليد اليمنى على اليسرى على الصدر في حال القيام، وربما يفوته التجافي في الركوع والسجود إذا جعل المصحف في إبطه، ومن ثَمَّ رجحنا قراءة المصلي عن ظهر قلب على قراءته من المصحف .
هذا وبعض المأمومين نشاهدهم خلف الإمام يحملون المصحف يتابعون قراءة الإمام وهذا أمر لا ينبغي لما فيه من الأمور التي ذكرناها، ولأنه لا حاجة بهم إلا أن يتابعوا الإمام . نعم لو فرض أن الإمام ليس بجيد الحفظ وقال لأحد المأمومين : صلِّ ورائي وتابعني في المصحف إذا أخطأت، فرد عليه فإن هذا لا بأس به .[73]

حال السلف في قيام الليل :

عن السائب بن يزيد أنه قال : أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة ، وكان القارىء يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام ، وما كنا ننصرف إلا في بزوغ الفجر.[74]
وعن داود بن الحصين عن عبد الرحمن بن هرمز قال : سمعته يقول : ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرةَ في شهر رمضان . قال : فكان القراء يقومون بسورة البقرة في ثمان ركعات فإذا قام بها القراء في اثنتي عشرة ركعة رأى الناس أنه قد خفف عنهم.[75]
وعن الحسن البصري قال : كان الناس يقومون في رمضان فيصلون العشاء حين يذهب ربع الليل وينصرفون وعليهم ربع آخر.[76]
عن محمد بن عباد قال حدثني أبي قال : ربما زارني عاصم الأحول وهو صائم فيفطر ، فإذا صلى العشاء تنحى فصلى فلا يزال يصلي حتى يطلع الفجر لا يضع جنبه.[77]
وعن مسبح بن سعيد قال : كان محمد بن إسماعيل البخاري إذا كان في أول ليلة من رمضان يجتمع إليه أصحابه فيصلي بهم فيقرأ في كل ركعة عشرين آية ، وكان يقرأ في السحر ما بين النصف إلى الثلث من القرآن ، فيختم عند السحر في كل ثلاث ليال ، ويقول عند كل ختمة : دعوة مستجابة.[78]
وعن الحسن البصري قال : تفقدوا الحلاوة في ثلاث في الصلاة وفي القرآن وفي الذكر فإن وجدتموها فامضوا وأبشروا ، فإن لم تجدوها فاعلم أن بابك مغلق.[79]
هل دعاء ختم القرآن في الصلاة مشروع:
ليس في السنة دعاء خاص بعد ختم القرآن الكريم في الصلاة ، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم لا قولا ولا فعلا ولا تقريرا ولم يفعله أحد من أصحابه رضي الله عنهم.
عن ابن القاسم قال سئل مالك عن الذي يقرأ القرآن فيختمه ثم يدعو قال ما سمعت أنه يدعو عند ختم القرآن وما هو من عمل الناس.[80]

سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : ما حكم دعاء ختم القرآن في قيام الليل في شهر رمضان ؟

فأجاب بقوله:

لا أعلم في ختمة القرآن في قيام الليل في شهر رمضان سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا عن الصحابة أيضا ، وغاية ما ورد في ذلك أن أنس بن مالك رضي الله عنهما كان إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا . وهذا في غير الصلاة .[81]

حكم صلاة المأموم خلف الإمام في صلاة التراويح وبينهما حائل :
إذا امتلأ المسجد بالمصلين في صلاة التراويح -أو في غيرها من الصلوات- ، فلا بأس أن يصلوا في الساحات والطرقات والحوانيت ونحو ذلك ، بشرط أن تكون الصفوف متصلة ، ويكون ائتمامهم بالصفوف المتقدمة عليهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم :"ائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم".[82]

أما الصلاة خارج المسجد وفي المسجد مكان يمكن الصلاة فيه، ويمكنهم متابعة الإمام عن طريق مكبرات الصوت أو ممن قبلهم من المصلين ، ولم يفصل بينهم وبين المصلين طريق أو نهر أو نحو ذلك ،فصلاتهم صحيحة ناقصة الثواب مع الإثم وذلك لمخالفتهم الأحاديث الآمرة بوصل الصفوف وسدّ الفرج.
وأما إذا حال بينهم وبين المصلين طريق يمشي فيه الناس ولم تتّصل الصفوف ، كالذين يصلون في المحلات أو في البيوت والفنادق والأسواق المجاورة للمسجد ،أومن لم يمكنهم رؤية الصفوف المتقدمة عنهم ولاسماع الإمام ولو عن طريق المكبر الصوتي، فصلاتهم باطلة.

سئل شيخ الإسلام رحمه الله عن الحوانيت المجاورة للجامع من أرباب الأسواق إذا اتصلت بهم الصفوف فهل تجوز صلاة الجمعة في حوانيتهم ؟

فأجاب بقوله :

أما صلاة الجمعة وغيرها : فعلى الناس أن يسدوا الأول، فالأول، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ألا تصفون كما تَصُفُّ الملائكة عند ربها ؟ " قالوا : وكيف تصف الملائكة عند ربها ؟ قال : " يسدون الأول، فالأول، ويتراصون في الصف " . فليس لأحد أن يسد الصفوف المؤخرة مع خلو المقدمة، ولا يصف في الطرقات والحوانيت مع خلو المسجد، ومن فعل ذلك استحق التأديب، ولمن جاء بعده تخطيه، ويدخل لتكميل الصفوف المقدمة، فإن هذا لا حرمة له .
كما أنه ليس لأحد أن يقدم ما يفرش له في المسجد، ويتأخر هو، وما فرش له لم يكن له حرمة، بل يزال ويصلى مكانه على الصحيح، بل إذا امتلأ المسجد بالصفوف صفوا خارج المسجد، فإذا اتصلت الصفوف حينئذ في الطرقات والأسواق، صحت صلاتهم .
وأما إذا صفوا وبينهم وبين الصف الآخر طريق يمشي الناس فيه لم تصح صلاتهم في أظهر قولي العلماء
وكذلك إذا كان بينهم وبين الصفوف حائط بحيث لا يرون الصفوف، ولكن يسمعون التكبير من غير حاجة، فإنه لا تصح صلاتهم في أظهر قولي العلماء .
وكذلك من صلى في حانوته والطريق خال لم تصح صلاته، وليس له أن يقعد في الحانوت وينتظر اتصال الصفوف به، بل عليه أن يذهب إلى المسجد فيسد الأول فالأول . والله أعلم .[83]

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: فالصواب في هذه المسألة: أنه لا بد في اقتداء من كان خارج المسجد من اتصال الصفوف، فإن لم تكن متصلة فإن الصلاة لا تصح.
مثال ذلك: يوجد حول الحرم عمارات، فيها شقق يصلي فيها الناس، وهم يرون الإمام أو المأمومين، إما في الصلاة كلها؛ أو في بعضها، فعلى كلام المؤلف تكون الصلاة صحيحة ونقول لهم: إذا سمعتم الإقامة فلكم أن تبقوا في مكانكم وتصلوا مع الإمام ولا تأتوا إلى المسجد الحرام.
وعلى القول الثاني: لا تصح الصلاة؛ لأن الصفوف غير متصلة. وهذا القول هو الصحيح...
فالراجح: أنه لا يصح اقتداء المأموم خارج المسجد إلا إذا اتصلت الصفوف، فلا بد له من شرطين:
1 ـ أن يسمع التكبير.
2 ـ اتصال الصفوف.
أما اشتراط الرؤية ففيه نظر، فما دام يسمع التكبير والصفوف متصلة فالاقتداء صحيح، وعلى هذا؛ إذا امتلأ المسجد واتصلت الصفوف وصلى الناس بالأسواق وعلى عتبة الدكاكين فلا بأس به.[84]

وقال شيخنا صالح الفوزان حفظه الله: إذا كان بين المسجد وبين المصلي طريق يمشي فيه الناس، وتسير في السيارات حال الصلاة، فإن الصلاة لا تصح في هذه الحالة، أما لو كان الطريق قد اتصلت فيه الصفوف إلى مكانكم، وصار كل المكان يصلى فيه فالصلاة صحيحة في هذه الحالة.
لكن إذا كان الطريق يمشي فيه الناس ولم يكن فيه صفوف متصلة، فالصلاة في مثل هذه الحالة لا تصح؛ لانقطاعكم عن الإمام وللفصل بينكم وبينه بالمارة والله أعلم، ومثل هذا كما قال الفقهاء إذا كان بين المصلي وبين المسجد نهر أو نهر تمشي فيه السفن وما أشبه ذلك.[85]

وقد سئلت "اللجنة الدائمة للإفتاء" عمن صلى جماعة في منزله مكتفيا بسماع مكبرات الصوت من المسجد ، ولم يتصل بين الإمام والمأموم ولو بواسطة وذلك واقع مكة والمدينة في الموسم ؟

فأجابت :

لا تصح الصلاة ، وهذا مذهب الشافعية وبه قال الإمام أحمد ، إلا إذا اتصلت الصفوف ببيته، وأمكنه الاقتداء بالإمام بالرؤية وسماع الصوت فإنها تصح ، كما تصح صلاة الصفوف التي اتصلت بمنزله ، أما بدون الشرط المذكور فلا تصح ؛ لأن الواجب على المسلم أن يؤدي الصلاة في الجماعة في بيوت الله عز وجل مع إخوانه المسلمين ، لقوله صلى الله عليه وسلم : "من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر"، أخرجه ابن ماجه والحاكم ، وقال الحافظ إسناده على شرط مسلم ، ولقوله صلى الله عليه وسلم للأعمى الذي سأله أن يصلي في بيته : " هل تسمع النداء بالصلاة ؟ " قال نعم ، قال : " فأجب " أخرجه مسلم في صحيحه . وبالله التوفيق .[86]

تنبيه :

والآثار الواردة عن السلف في صلاتهم بينهم وبين الإمام حائل كنهر أو طريق محمولة على الضرورة والحاجة.
قال الألباني رحمه الله : يقابل هذه الآثار آثار أخرى عن عمر والشعبي وإبراهيم عند ابن أبي شيبة 2 / 223 وعبد الرزاق 3 / 81 - 82: أنه ليس له ذلك إذا كان بينه وبين الإمام طريق ونحوه. ولعل ما في الآثار الأولى محمول على العذر كامتلاء المسجد كما قال هشام بن عروة:
"جئت أنا وأبي مرة فوجدنا المسجد قد امتلأ فصلينا بصلاة الإمام في دار عند المسجد بينهما طريق".
رواه عبد الرزاق 3 / 82 بسند صحيح عنه
وليس بخاف على الفقيه أن إطلاق القول بالجواز ينافي الأحاديث الآمرة بوصل الصفوف وسد الفرج فلا بد من التزامها والعمل بها إلا لعذر-ثم ذكر كلام شيخ الإسلام الذي ذكرته آنفا-.[87]

كتبه : عبد الحميد الهضابي.


الحواشي :
[1] ـ سميت بالتراويح : لأنهم كانوا يستريحون عقب كل أربع ركعات وذلك لطول القراءة .
[2] ـ أخرجه مسلم (1163)
[3] ـ أخرجه البخارى (1101) ، ومسلم (1159)
[4] ـ أخرجه البخارى (7027) ، ومسلم (775)
[5] ـ أخرجه مسلم ( 755 )
[6] ـ أحمد ( 1 110 ) وأبو داود ( 1416 ) والترمذي ( 453 ) وقال حسن والنسائي ( 3 228 - 229 ) وابن ماجه ( 1169 ) وابن خزيمة ( 1067 ) والبيهقي ( 2 268 ) وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود"( 1416)
[7] ـ أخرجه البخاري (46)،ومسلم (11).
[8] ـ أخرجه مالك (268) ، وعبد الرزاق (4575) ، وابن أبى شيبة (6852) ، وأحمد (22745) ، والدارمي (1577) ، وأبو داود (1420) ، والنسائي (461) ، وابن ماجه (1401) ، ومحمد بن نصر فى "تعظيم قدر الصلاة" (1030) ، وابن حبان (2417) ، والبيهقي (2058) ، والضياء (449) . وصححه الألباني في "صحيح الجامع"( 3243).
[9] ـ أخرجه الطيالسى (88) ، وعبد الرزاق (4569) ، وابن أبى شيبة (6856) ، وأحمد (1219) ، والدارمي (1579) ، وأبو داود (1416) ، والترمذى (453) ، والنسائي (1676) ، وابن خزيمة (1067) ، وأبو نعيم فى الحلية (8/265) ، والبيهقي (2059) ، والضياء (505) ، وعبد بن حميد (70). وصححه الألباني في "صحيح سنن الترمذي"( 453)
[10] ـ أخرجه البخاري(1098)،ومسلم ( 700 ).
[11] ـ "المجموع" (2/526)،و"التهذيب في فقه الإمام الشافعي"(2/233).
[12] ـ" المغني" (2/601) و"الإنصاف" (2/180) .
[13] ـ "بداية المجتهد" (1/487)، و"التفريع" (1/269)،و"المعونة"(1/288).
[14] ـ أخرجه مسلم ( 745 )
[15] ـ أخرجه البخاري ( 99 )، ومسلم ( 749 )
[16] ـ "الإجماع"(ص : 45)
[17] ـ أخرجه مسلم (755).
[18] ـ "المغني"(1/833).
[19] ـ "بداية المجتهد"(1/202).
[20] ـ "مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين" (14/210).
[21] ـ أخرجه مسلم ( 752 )
[22] ـ أخرجه أحمد(21168)،والنسائي (1701)،وفي "الكبرى"( 446)،وأبو داود(1424)،وابن ماجه (1161)، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي"( 1701)
[23] ـ أخرجه الحاكم (1137) ، والبيهقي (4594) .وابن حبان (2429) والحاكم ( 1 / 304 ) والبيهقي ( 3 / 31 ) ،وقال الحافظ ابن حجر في " فتح الباري "( 4 / 301 ):إسناده على شرط الشيخين ،وصحح إسناده الألباني في"صلاة التراويح" ( 99 و110 )
[24] ـ " الشرح الممتع " ( 4 / 14 - 16 ) .
[25] ـ أخرجه مسلم ( 737 )
[26] ـ أخرجه أحمد(26781)،والترمذي (457)،والطبراني في "الكبير"( 741)، وصحح إسناده الألباني في "صحيح سنن الترمذي"( 457)
[27] ـ أخرجه النسائي (1719)،وفي "الكبرى"(1409)،وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي"( 1719)
[28] ـ أخرجه مسلم ( 746 )
[29] ـ أخرجه البخاري (1096)،ومسلم (738).
[30] ـ أخرجه مسلم ( 738 )
[31] ـ أخرجه مسلم ( 736 )
[32] ـ أخرجه مسلم ( 736 )
[33] ـ أخرجه البيهقي (4392)، ومالك (232) وصححه الألباني في "المشكاة" ( 1302)
[34] ـ"بغية المتطوع في صلاة التطوع"(ص :21 ـ 22 )
[35] ـ أخرجه ابن أبى شيبة (5975) ، والترمذى (414) وقال : غريب . والنسائي (1795) ، وابن ماجه (1140) . وأبو يعلى (4525) . وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي"( 1795)
[36] ـ أخرجه ابن ماجه (1361)،وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه(1361).
[37] ـ أخرجه البخاري (1089).
[38] ـ أخرجه مسلم ( 738 )
[39] ـ أخرجه مسلم ( 736 )
[40] ـ أخرجه الدارمي (1594) ، وابن خزيمة (1106) ، والطحاوى (1/341) ، وابن حبان (2577) ، والدارقطنى (2/36) ، والطبراني (1410) ،. والبيهقي (4604) . وأخرجه أيضا : الرويانى (644) . وصححه الألباني في "الصحيحة" (1993 )
[41] ـ "صحيح ابن خزيمة"(2/159)
[42] ـ أخرجه أحمد (21168) ،والنسائي(1699) ،وأبو داود(1424)،وابن ماجه (1161) وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي"( 1699)
[43] ـ أخرجه الطيالسى (1095) ، وأحمد (16339) ، وأبو داود (1439) ، والترمذى (470). والنسائي (1679) ، وابن خزيمة (1101) ، والطبراني (8247) ، والبيهقي (4622) ، والضياء (166) وقال : إسناده صحيح . وأخرجه أيضا : ابن حبان (2449) ، والطحاوى (1/342) . وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي"( 1679)
[44] ـ "سنن الترمذي"(2/333)
[45] ـ "سنن الترمذي" (2/334).
[46] ـ أخرجه النسائي (612)،وصحح إسناده الألباني في "صحيح سنن النسائي"(612)،وقال : إن كان محمد بن المنتشر سمع ابن مسعود ، و قصة النوم صحيحة،وصححه محمد على آدم الأثيوبي في "ذخيرة العقبى"(18/49)
[47] ـ أخرجه أحمد (11284) ،وابن ماجه (1188)واللفظ له،والترمذي (465)،وصححه الألباني في "صحيح سنن ابن ماجه"(1188).
[48] ـ أخرجه مسلم ( 746 )
[49] ـ "الموطأ" (1/127)
[50] ـ "ذخيرة العقبى"(18 / 50)
[51] ـ أخرجه البخاري ، في "الأدب المفرد" (699) ،وابن خزيمة (1100)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (609)،وصححه الألباني في "قيام رمضان" ( ص: 26 27 )
[52] ـ أخرجه البيهقي (4401)،ومالك (253) بإسناد صحيح.
[53] ـ أخرجه البخاري (957).
[54] ـ أخرجه ابن أبي شيبة (6911)،وحسّن إسناده الحافظ في " الدراية " (ص 115)، وحسّن إسناده الألباني في"أصل صلاة النبي صلى الله عليه وسلم "(3/191)
[55] ـ "مجموع الفتاوى"(23/100)
[56] ـ أخرجه أحمد (21485)،وأبو داود (1375)،وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود"(1375).
[57] ـ أخرجه البخاري (882)،ومسلم (761).
[58] ـ "فتح الباري"(3/14)
[59] ـ صلاة التراويح (ص14) بتصرف.
[60] ـ "لسان العرب" مادة "روح"، وانظر: "فتح الباري" (4/294)، و"سبل السلام" (2/23)، و"النهاية" لابن الأثير (2/274).
[61] ـ أخرجه البيهقي (4381)،وصححه الألباني في"قيام رمضان"(ص :15)
[62] ـ أي: إذا ناموا ولم يصلوا التراويح ثم قاموا آخر الليل فصلوا فهو أفضل
[63] ـ أخرجه البخاري (1906)
[64] ـ "سنن الترمذي"(3/169)
[65] ـ أخرجه البيهقي (4791)،وابن أبي شيبة (7742)وإسناده صحيح.
[66] ـ "دقائق أولي النهى" (1/2245)
[67] ـ "المجموع" (3/526)
[68] ـ "نيل الأوطار" (3/62)
[69] ـ "المغني" (1/335) بتصرف يسير.
[70] ـ "المجموع" (4/27)
[71] ـ "مجموع فتاوى الشيخ ابن باز" (11/117) .
[72] ـ "مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين" (14/231 ـ232)
[73] ـ"المنتقى من فتاوى الفوزان"(س 16)
74 ـ أخرجه البيهقي (4392)، ومالك (232) وصححه الألباني في "المشكاة" ( 1302)
75 ـ أخرجه مالك (381)،البيهقي (4401) وصححه الألباني في "المشكاة"(1/290)
[76] ـ أخرجه عبد الرزاق (7739) وسنده حسن.
[77] ـ "الحلية"(3/120)
[78] ـ أخرجه البيهقي (2254)
[79] ـ أخرجه البيهقي (7226)،وأبو نعيم في "الحلية"(6/171)
[80] ـ"المدخل" لابن الحاج (2/299)
[81] ـ "فتاوى أركان الإسلام" (ص 354) .
[82]ـ أخرجه مسلم ( 438 )
[83] ـ "مجموع الفتاوى"(23/409)
[84] ـ "الشرح الممتع"(4/ 298)
[85] ـ " مجموع فتاوى فضيلة الشيخ صالح بن فوزان "(1/289)
[86] ـ "فتاوى اللجنة الدائمة" (8/32)
[87] ـ "تمام المنة"(1/ 282)
المزيد من المعلومات